دروس من المماليك
----------------
حتي المماليك في عز قوتهم وسلطانهم لم يستطيعوا تحدي القضاه عندما حدثت الازمه بينهم وبين قاضي القضاه الشيخ العز بن عبدالسلام . وصل العزّ بن عبد السلام إلى مصر سنة 639هـ، ً وكان أول ما لاحظه العزّ بعد توليه القضاء قيام الأمراء المماليك، وهم مملوكون لغيرهم، بالبيع والشراء وقبض الأثمان وهو ما يتعارض في نظره مع الشرع والقانون إذ هم في الأصل عبيد لا يحق لهم ما يحق للأحرار. فامتنع أن يمضي لهم بيعاً أو شراء، فتألّبوا عليه وشكوه إلى الملك الصالح الذي لم تعجبه بدوره فتوى العزّ، فأمره أن يعْدل عن فتواه، فلم يأتمر بأمره، بل طلب من الملك ألا يتدخل في القضاء إذ هو ليس من شأن السلطان، وأدّى به أنكاره لتدخّل السلطان في القضاء أن قام فجمع أمتعته ووضعها علي حماره ثم قال: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» واستعدّ العلماء والصلحاء للرحيل معه، فخرج الملك الصالح يترضّاه، وطلب منه أن يعود وينفذ حكم القانون . فاقترح العزّ على الأمراء المماليك أن يعقد لهم مجلساً وينادي عليكم بالبيع لبيت مال المسلمين . وعندما نصحه أحد أبنائه بأن لا يتعرّض للأمراء خشية بطشهم، ردّ عليه بقوله: «أأبوك أقلّ من أن يُقتل في سبيل الله؟»
استوحي توفيق الحكيم من هذه الواقعه فكره مسرحيته الشهيره السلطان الحائر التي صدرت عام 1960م، وتدور أحداث المسرحية حول سلطان من سلاطين المماليك علم أن الناس في مدينته يلغطون أنه لم يزل عبداً، وأن سيده السابق لم يعتقه، ولهذا لا يحق له أن يحكم ويكون سلطاناً على الناس قبل أن يُعتق ويصير حرا.
ويتحيّر السلطان بين استعمال القوة لإسكات الناس (وهذا رأي الوزير)، والاحتكام إلى القانون (وهذا رأي القاضي). والاحتكام إلى القانون يعني أن يُعرض السلطان في مزاد عام أمام الناس ليشتريه من يشتريه فيعتقه، وقد تردّد السلطان بين الرأيين، واصبح حائراً بين القوة والقانون، وكان باستطاعته رفض مسألة بيعه في المزاد أمام الناس، وإسكات الألسنة بحد السيف. وكانت عباره القاضي
والآن فما عليك يا مولاي سوى الاختيار: بين السيف الذي يفرضك، ولكنه يعرضك، وبين القانون الذي يتحداك ولكنه يحميك!
ولكنه قرر في النهاية أن يكون القانون هو الحكم:
السلطان: قررت أن أختار .. أن أختار ..
الوزير: ماذا يا مولاي؟ ..
السلطان: (صائحاً في عزم) القانون! .. اخترت القانون! ..


No comments:
Post a Comment