الشخصنه والتقمص والاخر
من العادات الشرقيه الغير حميده هي شخصنه كل شيئ في حياتنا ، العلم والدين والسياسه والاراء والافكار . اي ان كل شيئ عندنا لابد وان يكون مرتبط بشخص ونظرتنا الي الامور لابد وان انت تكون من خلال شخص . فنحن لم نتعلم بعد انه ليس بالضروره ان نقتبس ونتقمص كل فكره او رأي او نمط حياه ابدينا اعجابا به . السائح الذي يزور مصر قد يبدي اعجابه بالتاريخ والديانه والحضاره المصريه القديمه والحديثه ، وهو يبدي علي سبيل المثال اعجابا شديدا ليس فقط بالاهرامات والآثار القديمه ولكن ايضا بجلباب الرجال والعمامه الصعيديه ويراهما رمزا من رموز حضارتنا الحديثه بالرغم ان هذا الزي بالتحديد ممنوع الدخول به في بعض الانديه وممنوع ارتدائه في العمل بالمؤسسات الحكوميه في بلادنا ، فهل معني ذلك ان هذا السائح سوف يبدل دينه ويعتنق عقيده امون الفرعونيه او انه سوف ينادي بجعل الجلباب الصعيدي الزي الرسمي لاعضاء المجلس المحلي بحي دي فور بمحافظه جينيف ؟ اما عندنا فالامر يختلف
فان ابدي احدنا مثلا اعجابا بفنانه ادت دورا في احد الافلام فستجد من ينبري ليشخصن اعجابك هذا ويسألك : هل ترضي لاختك او لامك ان تعمل في هذا المجال او تكون هكذا ؟
احدي اكبر معضلات العقليه الشرقيه الرئيسيه هي عدم الاعتراف الحقيقي والنابع من القلب والضمير بالاخر كما هو بشحمه ولحمه دون ان نضع انفسنا في موضع المقارنه معه لان المقارنه تعني اننا سوف نلجأ لتفضيل احد الطرفين علي الاخر، وهاك مقارنه غالبا غير عادله لان اساسها قائم علي اللعب الدائم علي تأنيب ضمائرنا والتفتيش في ضمائر الاخرين وهي علامه علي عدم الثقه بالنفس وعلي عدم وضوح الرؤيه الداخليه ورفض إعمال العقل وتحمل المسؤليه الفرديه الي ان يأتي شخص نعتقد ان بيده مفاتيح الحلول فان كان الامر دينيا اصبح هذا الشخص هو المفتي او الامام او الشيخ الذي القينا عليه مسؤليه تنوير الطريق بالنيابه عن عقولنا وجعلناه يتدخل في ادق امور حياتنا من مأكل ومشرب وملبس ودخول الحمام والعلاج وحتي المعاشره الزوجيه والنظره الاولي والثانيه . علي المستوي السياسي سنجد ان كل شيئ لايتحرك الا بتوجيهات السيد الرئيس او دوله رئيس الوزراء او معالي الوزير اما اذا اردنا تعلم شيء من الاخرين فنحن اما نقتبسه ثم نتقصمه عن جهل وبدون وعي واما نرفضه ونكفره . وهكذا اشتهرت شعوب الشرق بانها اكثر شعوب العالم استهلاكا لكل شيئ فنحن نصر علي اقتباس كل عيوب الاخرين وسلبياتهم ونتعلم قليلا من ايجابياتهم وتجاربهم الناجحه . لقد اقتبسنا من بعض شعوب الشرق ملبسهم وطريقه حياتهم والبسناها غطاء الشرع وجعلناها احد اعمده الدين التي انتشرت مثل انتشار النار في الهشيم كنوع من استعراض العضلات وكذلك نوع من العلاج النفسي الذاتي لاقناع انفسنا انه ان كان غيرنا قد تفوق علينا حضاريا فنحن الافضل لاننا متفوقون خلقيا وان كانوا هم قد فازوا بالدنيا فاننا الفائزون بالاخره انشاء الله. واقتبسنا من الغرب شكلياته ورقصاته ملابسه ومظاهره ولكن لم نتعلم من تجربته في الحريه والانتاج والتحضر . اقتبسنا حتي من
ماضينا اسواء مافيه ورفعنا من اتوا الينا بالهزائم علي الاعناق ولعنا من اتوا الينا بالسلام فاصبحنا غير قادرين علي فهم حاضرنا مترددين محتارين واما المستقبل فليس لديه عندنا اي صوره تذكر . لقد أعتقد بعضنا انه ليس هناك مستقبل الا دخول الجنه والطريق اليها هو لعن الحاضر ولفظه لان الفوز بالفردوس الاعلي لايمر الا عبر الماضي السحيق بتفسيراته وملابسه وشكله وفتاواه ، مع اننا نردد ليل نهار وفي كل صلاه حديث الرسول عليه الصلاه والسلام ، اعمل لاخرتك كأنك تعيش غدا واعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا . فهل فهمنا ووعينا معني هذا الحديث ؟ ام اننا فقط نقتبس الكلمات ونرددها دون وعي لمعانيها ومغزاها ؟
وهل سيأتي علينا اليوم الذي نتعلم فيه ان نحرر انفسنا من شخصنه حياتنا ؟
الاشخاص لا تصنع التاريخ بكلماتهم ولكن بافعالهم وانتاجاهم ، فهل حان الوقت لنتعلم من الاخرين بدلا من اقتباس ثم تقمص عاداتهم عن جهل وسوء فهم ، اتمني ان يحدث هذا قبل فوات الاوان؟


No comments:
Post a Comment