الاختلافات البيئيه
2
الوطن والجنه الموعوده
عاد محاوري اللدود وصديقي العزيز الخالد بن عبدالعزيز
للاسئله الصعبه المقلقه التي تطير النوم من العين وتجعل الافكار تدور في رأسي بلا توقف مثل موتور الثلاجه الذي مإن فصل قليلا حتي يعود للدوران مره اخري كي يبقي مابداخل الثلاجه محتفظا ببرودته . وهاك الحال في رأسي التي لاتبرد الافكار بداخلها الا اذا دار موتور ها في محاوله للاجابه علي الاسئله التي يطرحها عليها صديقي وكان اخرها كالتالي
الكثير من المصريين الذين يعيشون في دول متقدمه مثل المانيا وسويسرا وامريكا لهم كل الحقوق والواجبات والضمانات الاجتماعيه ولكن الكثير منهم يشعرون بالغربه والانعزال والوحده ولديهم شعور قوي بالحنين لوطنهم الاول ولايألفون علي العيش في المجتمع الجديد ، هذا علي الرغم من تمتعهم بكل تأكيد بحياه ونظام افضل مما لايجدوه في بلادهم . ولكنهم في نفس الوقت يفتقدون للسعاده ويعانون الغربه
هذا واتذكر تماما انك قلت لي ذات مره ان وطنك هو الذي به زوجتك وقد اقتبست ذلك المعني من السؤال الذي ووجه لجحا بلدك فين قال اللي فيها مراتي . وربما كنت لا تمزح والمعني له شق فلسفي كبير ولكن السؤال الاعمق هو : ماهو الوطن ؟
في بدايه الامر وجدت نفسي فعلا في حيره شديده من الاجابه عن هذا السؤال ومن المؤ كد ان كل انسان له خبره وشعور مختلف تجاه معني كلمه الوطن وانا علي يقين ان السؤال الذي ووجه الي جحا عندما سألوه بلدك فين ياجحا قال اللي فيها مراتي ، لو كان نفس السؤال وجه الي زوجته وحرمه المصون مدام جحا لكانت اجابتها هي نفس اجابه جحا وستقول ان بلدها هي اللي فيها زوجها . إلا اني تذكرت فجأه قصه حياه والدي الحاج حلمي عبد الرحمن رحمه الله الذي ترك قريته القزاقزه مركز المنزله دقهليه وهو في بدايه شبابه متوجها الي مدينه المنصوره للدراسه ثم الي القاهره ثم الي مدينه بني سويف ثم عاد الي القاهره مره اخري ليتزوج ابنه زميله في العمل الشيخ عبدالسلام شلبي ويستقر بالقاهره لتصبح القاهره وطنه الجديد . يعني المقوله التي قالها جحا انطبقت علي ابي تقريبا حرفيا فلو كان ابي قد وجد بنت الحلال في المنزله او المنصوره او بني سويف لكان قد تغير وجه تاريخ الاسره الحلماويه
ولكنه النصيب وتدابير الرحمن . ثم يعود التاريخ ليكرر نفسه مع ابنه الاكبر العبد لله كاتب هذه السطور بشكل اخر ، يعني موديل 90 ، ولكن بنفس حكمه جحا ، فأتزوج من اجنبيه ثم اهاجر الي بلدها واستقر في
سويسرا لتصبح هي واقعيا بلدي اما مافي القلب والروح تجاه وطني الام مصر فهذا شيأ اخر
والعجيب في قصه الحاج حلمي الذي توفي عن عمر يناهز الثلاثه والثمانين عاما انه عمل وعاش وقضي بالقاهره مايقرب من ستين عاما من عمره في حين انه ترك قريته وهاجر منها وكان عمره يفوق العشرين قليلا اي انه قضي بالقاهره ضعف عدد السنوات التي قضاها في قريته. القاهره هي التي اعطته او لنقل وجد بها العمل والزوجه والابناء ومع هذا ظل حلم العوده الي وطنه الام اي قريته يراوده وكأن قريته التي ولد بها هي الجنه الموعوده
وظل تفاعله النفسي والروحي مع وطنه الثاني القاهره ضعيفا وكان دائم الانتقاد لها ولاهلها ولشبابها ودائما كان يتسأل ، هم فين اهل القاهره دول ومين اللي بناها ومين اللي عمرها ومين اللي حكمها غيرنا احنا الفلاحون والقرويون ؟ فكانت امي القاهريه عندما تسمع هذا والبطبع لايعجبها ترد وتقول بانفعال ، القاهره هي اللي فتحت ابوابها ليكوا وشغلتكوا ولبستكوا وعلمتكوا ومدنتكوا وبعد ماكنتوا فلاحين بقيتوا افنديه وبهوات ولوكانت بلادكم فيها خير لماذا تركتوها ورحلتوا منها ومع هذا لم اسمع قاهريا انتقدكوا او قال انكم جئتم لتحاربونا في رزقنا ولكنكم دائمي السخريه منها ومن اهلها الا تتقوا الله وتعدلوا ؟ هذا ماكان يدور بين رجل وزوجته من نفس البلد والجنسيه والديانه واللغه فما بالنا بمن يترك قاره ويهاجر الي قاره اخري . ومثال الحاج حلمي ينطبق علي كثير من البشر فتسمعهم يقولون عن الاصل دور ، وبلادي وان جارت علي عزيزه واهلي وان ضنوا علي كرام ، واحنا ناس فلاحين نعرف الاصول والعيب ، واللي يخرج من داره يتقل مقداره
حتي من كانوا يقيمون في الاحياء الشعبيه ثم انتقلوا الي احياء غنيه في نفس المدينه تسمعهم يقولون احنا ناس جدعان ولاد اصل من بولاق
إن اردنا توسيع الدائره فسينطبق رصد هذه الظاهره علي كثير من البشر في انحاء العالم ، فحماي المرحوم الفونس كوتيير ولد في قريه ياون السويسريه الجبليه ثم رحل منها الي مدينه فرايبورج بنفس الولايه بحثا عن الرزق ولكن ظلت ياون هي الجنه وهي الاصل . فما بالنا بالمصري او المهاجر القادم من الشرق ليقضي حياته في بلاد الغرب المختلفه تقريبا في كل شيئ وابسطها اللغه والدين والعادات والتقاليد . التارك لوطنه مهاجرا او راحلا لبلد اخر اما مرغما لاسباب عده منها الهروب او اللجوء السياسي او الحياه القاسيه واما رحل بمحض ارادته بحثا عن رزق ماديا او دراسه او لسبب اخر
سيلقي في البلد الجديد مصيرين لاثالث لهما اما النجاح والوصول لما كان يحلم به واما الفشل لاسباب مختلفه قد يكون هو له دخل بها ام لا ، فان فشل فسيكون حنينه الي وطنه الام رد فعل طبيعي بل قد يعتقد الكثير منهم ان الله قد عاقبه بالفشل لانه ترك وطنه . ولكن العجيب في ردود افعال من يلقي نجاحا ويحقق حلمه ، فمع هذا يظل الماضي في وطنه الام هو الاحلي والاكثر رومانسيه ويسلام علي الايام بتاعه زمان ، كانت ايام حلوه وجميله ، وهكذا يصبح الماضي مهما كانت المعاناه فيه مثل الحلم الجميل والحاضر بالرغم من كل محاسنه مقارنه بالماضي ممقوتا
الموتور القابع خلف الثلاجه مش عايز يفصل والافكار والاسئله اللي داخل الثلاجه مش عايزه تبرد بل علي العكس حراره الموضوع في رأسي يزداد سخونه فيزداد معها دوران الموتور . فوجدتني أسأل هو الماضي ليه عند اغلب الناس دايما حلو وجميل ؟ والناس تلجأ دائما للماضي في تفسيرات كثير من امور حياتها سواء دينيه او اجتماعيه او سياسيه او حتي فكريه . الناس تأتي من اخر الدنيا الي بلد مثل مصر لتشاهد بلهفه شديده واعين ثابته وافواه مفتوحه وعقل مندهش مبهور عندما تقف امام الهرم او تشاهد اثارا ومعابد مبنيه من حجاره والجميع يتحدث عن المنجزات الخارقه التي صنعها اهل الماضي سواء كانت ابنيه او افكارا بالرغم ان مانصنعه نحن اليوم من تقدم علي سبيل المثال في المجال الطبي في المأئه سنه الاخيره فقط هو قفزه هائله في تاريخ التطور البشري ، والدليل علي هذا ان اعداد البشر التي كانت تسكن فوق كوكب الارض حتي المأئه سنه الاخيره كانت لاتزيد عن ثلاثه ونصف مليار نسمه وفي فتره مأئه سنه بالرغم من الحروب العالميه والمحليه زاد اكثر من الضعف ووصلنا الان الي اكثر من سبعه مليارات نسمه ومن المؤكد ان التطور الطبي الهائل لمحاربه أوبئه مثل الطاعون والكوليرا وقله عدد القتلي في الحروب هما من العوامل الرئيسيه في زياده عدد السكان . فالناس الان تصرخ وتولول اذا وقع عدد ضحايا نتيجه حرب او زلزال ووصلت اعداد القتلي الي ثلاثه الاف وفي الماضي غير البعيد كان اذا التقي جيشين فيسقط من كل منهما اكثر من خمسين الي مأئه الف قتيل كان امرا عاديا . بالاضافه ان متوسط عمر البشريه قد زاد بشكل ملحوظ ووصل في بعض البلاد مابين السبعين الي المأئه عام في حين ان روما من حوالي الفي سنه فقط ، وهو عمر بسيط جدا في تاريخ الكوكب الارضي ، لم يكن يزيد عمر العائش بها عن ثلاثين الي اربعين عاما علي الاكثر وهاك كان الحال ايضا في اغلب الحضارت القديمه مثل الحضاره المصريه القديمه وغيرها
وهذا يعني اننا قد حققنا انجازا وتطورا هائلا وقفزه عظيمه في المجال الطبي
وغيره من المجالات الاخري التي يصعب رصدها هنا ومع هذا نظل ننظر للماضي علي انه دائما الافضل ، بل ان الماضي فيه العبره والحكمه والعظه ونثق دائما فيما قاله وحكم به واقره اهل الماضي و ننهل منه الحلول ا اذا اصبحنا غير قادرين علي التأقلم مع الحاضر بكل مشاكله ومعاناته
بل ان من البشريه من يعلن ان حلول جميع مشاكلنا في الحاضر هي في العوده للماضي ليس فقط في حكمه ومواعظه لكن ايضا في شكله وسطحيته فيعتقد البعض منا اننا ان ارتدينا ملابسا مثملا كان يرتدي اهل الماضي وتحدثنا مثلهم وشربنا واكلنا ومشينا مثلهم وتركنا كل مظاهر الحياه الحديثه والعصريه سوف تحل جميع مشاكلنا الحاضره وسوف نفوز بالدنيا والاخره
الله يسامحك ياصديقي العزيز يابن عبدالعزيز اسئلتك ولعت لي دماغي
وموتور الثلاجه قرب يتحرق
في محاوله لايجاد اجابه شافيه عما سبق سؤاله وجدتني اقترح علي نفسي اقتراحا لماذا نلف وندور في حلقه التفصيلات والفرعيات ولانلجأ للاصل طالما ان المثل يقول عن الاصل دور ، يعني ببساطه ماهو اصل الانسان ومن
اين اتي فاذا اتجهانا الي هذا الطريق فهل سنجد اجابه ؟
وجدتني فعلا اجد بعض التفسيرات التي قد تجيب عن سؤال ماهو الوطن ، واعترف بدايه ان هذا التحليل ليس له سند علمي او تاريخي او ديني ولكنه تحليل شخصي بحت استنتجته من خلال قرأه قصه خلق الانسان ولكن من زاويه مختلفه عما تعودنا عليه . ففي جميع العقائد السماويه خلق الله سبحانه وتعالي ادم وسكن بدايه في الجنه ثم طرد منها وهبط علي الارض ليعمرها بعدما خالف اوامر الرحمن بعدم الاكل من الشجره المحرمه . وبالرغم ان الله قد خلق ادم بالاساس ليسكن الارض ويعمرها ويجعله خليفته فيها طبقا للأيه الكريمه ، اني جاعل في الارض خليفه ، علي الرغم من هذا لم يخلقه مباشره في الارض ولكن منحه بمفهومنا العصري وطنا اوليا وكانت هي الجنه التي لم يكن فيها جهد وتعب وكفاح وعمل ومكابده وشق انفس ولكن هدؤا وراحه ونعيم . الي ان خالف ادم تعاليم الخالق فاكل من الشجره المحرمه فكان جزاؤه الطرد من الجنه اي من وطنه الاول ليهبط الي وطنه الجديد وهي الارض وينزل معه ابليس المطرود ايضا ليصبح عدوا له وتبدأ قصه البشريه علي الارض الوطن الثاني لأدم وبنيه وسلالته وهو تاريخ كان ومازال مليئأ بالمكابده والجهد والتقاتل والصراع والدماء ، لحظات السعاده فيها قليلا واوقات الشقاء فيها كثيره او علي الاقل متوازيين . وبالطبع ظلت في ذاكره ادم وبنيه اقتران الماضي والوطن الاول بالجنه فحلم العوده اليها يراودهم في كل لحظه وكل ثانيه خصوصا اذا اشتدت الازمات في الحاضر الشاق المجهد المؤلم فيزداد الشوق والحنين الي الوطن الاول والي الماضي وطبقا لقصه الخلق فقد بقيت معاني داخل ادم توارثها ابنائه وسلالته من بعده ظلت تترعرع وتنمو في وجدانهم وهي ان الوطن الاول الذي اصبح ماضيا كان الجنه والمنحه والهديه الربانيه والوطن الارضي الثاني الذي يمثله الحاضر هو العقوبه ، ومع هذا ولأن الله يعلم مايدور في ادم ووجدانه فقد وعده ووعد ابنائه وسلالته من بعده إن احسنوا فسوف ينالوا الجنه اي العوده الي الوطن الاول الخالي من كل تلك المعاناه والمكابده ومن اساء فإن العقاب سيكون اشد قسوه من المره الأولي اولا بالحرمان الابدي من جنه النعيم ومن العوده الي الوطن الاول ثم النفي الابدي الي جهنم وبئس المصير . وسنجد تقريبا في جميع الحضارات الماضيه وايضا الحاليه والتي حتي لاتعتقد في الديانات السماويه مثل البوذيه والكنفوشيه والهندوسيه والزرادشتيه واليونانيه والرومانيه القديمه قد تحدثت عن الجنه وعن وعد العوده سواء سميت هذه الجنه في الكتب السماويه بالفردوس او في الديانات الاخري بالنيرفانا فالجميع مشترك في نفس المغزي والفلسلفه والهدف وهو ان المستقبل بعد الموت لمن يحسن سيكلل بالفوز بالجنه التي كانت في الماضي الوطن الاول
ليظل حلم العوده للوطن الاول يوازي حلم الفوز بالجنه الموعوده
محمد عبدالرحمن
يوليو 2010


No comments:
Post a Comment