2010/07/02

الاختلافات البيئيه 2


الاختلافات البيئيه

2

الوطن والجنه الموعوده


عاد محاوري اللدود وصديقي العزيز الخالد بن عبدالعزيز

للاسئله الصعبه المقلقه التي تطير النوم من العين وتجعل الافكار تدور في رأسي بلا توقف مثل موتور الثلاجه الذي مإن فصل قليلا حتي يعود للدوران مره اخري كي يبقي مابداخل الثلاجه محتفظا ببرودته . وهاك الحال في رأسي التي لاتبرد الافكار بداخلها الا اذا دار موتور ها في محاوله للاجابه علي الاسئله التي يطرحها عليها صديقي وكان اخرها كالتالي

الكثير من المصريين الذين يعيشون في دول متقدمه مثل المانيا وسويسرا وامريكا لهم كل الحقوق والواجبات والضمانات الاجتماعيه ولكن الكثير منهم يشعرون بالغربه والانعزال والوحده ولديهم شعور قوي بالحنين لوطنهم الاول ولايألفون علي العيش في المجتمع الجديد ، هذا علي الرغم من تمتعهم بكل تأكيد بحياه ونظام افضل مما لايجدوه في بلادهم . ولكنهم في نفس الوقت يفتقدون للسعاده ويعانون الغربه

هذا واتذكر تماما انك قلت لي ذات مره ان وطنك هو الذي به زوجتك وقد اقتبست ذلك المعني من السؤال الذي ووجه لجحا بلدك فين قال اللي فيها مراتي . وربما كنت لا تمزح والمعني له شق فلسفي كبير ولكن السؤال الاعمق هو : ماهو الوطن ؟


في بدايه الامر وجدت نفسي فعلا في حيره شديده من الاجابه عن هذا السؤال ومن المؤ كد ان كل انسان له خبره وشعور مختلف تجاه معني كلمه الوطن وانا علي يقين ان السؤال الذي ووجه الي جحا عندما سألوه بلدك فين ياجحا قال اللي فيها مراتي ، لو كان نفس السؤال وجه الي زوجته وحرمه المصون مدام جحا لكانت اجابتها هي نفس اجابه جحا وستقول ان بلدها هي اللي فيها زوجها . إلا اني تذكرت فجأه قصه حياه والدي الحاج حلمي عبد الرحمن رحمه الله الذي ترك قريته القزاقزه مركز المنزله دقهليه وهو في بدايه شبابه متوجها الي مدينه المنصوره للدراسه ثم الي القاهره ثم الي مدينه بني سويف ثم عاد الي القاهره مره اخري ليتزوج ابنه زميله في العمل الشيخ عبدالسلام شلبي ويستقر بالقاهره لتصبح القاهره وطنه الجديد . يعني المقوله التي قالها جحا انطبقت علي ابي تقريبا حرفيا فلو كان ابي قد وجد بنت الحلال في المنزله او المنصوره او بني سويف لكان قد تغير وجه تاريخ الاسره الحلماويه

ولكنه النصيب وتدابير الرحمن . ثم يعود التاريخ ليكرر نفسه مع ابنه الاكبر العبد لله كاتب هذه السطور بشكل اخر ، يعني موديل 90 ، ولكن بنفس حكمه جحا ، فأتزوج من اجنبيه ثم اهاجر الي بلدها واستقر في

سويسرا لتصبح هي واقعيا بلدي اما مافي القلب والروح تجاه وطني الام مصر فهذا شيأ اخر

والعجيب في قصه الحاج حلمي الذي توفي عن عمر يناهز الثلاثه والثمانين عاما انه عمل وعاش وقضي بالقاهره مايقرب من ستين عاما من عمره في حين انه ترك قريته وهاجر منها وكان عمره يفوق العشرين قليلا اي انه قضي بالقاهره ضعف عدد السنوات التي قضاها في قريته. القاهره هي التي اعطته او لنقل وجد بها العمل والزوجه والابناء ومع هذا ظل حلم العوده الي وطنه الام اي قريته يراوده وكأن قريته التي ولد بها هي الجنه الموعوده

وظل تفاعله النفسي والروحي مع وطنه الثاني القاهره ضعيفا وكان دائم الانتقاد لها ولاهلها ولشبابها ودائما كان يتسأل ، هم فين اهل القاهره دول ومين اللي بناها ومين اللي عمرها ومين اللي حكمها غيرنا احنا الفلاحون والقرويون ؟ فكانت امي القاهريه عندما تسمع هذا والبطبع لايعجبها ترد وتقول بانفعال ، القاهره هي اللي فتحت ابوابها ليكوا وشغلتكوا ولبستكوا وعلمتكوا ومدنتكوا وبعد ماكنتوا فلاحين بقيتوا افنديه وبهوات ولوكانت بلادكم فيها خير لماذا تركتوها ورحلتوا منها ومع هذا لم اسمع قاهريا انتقدكوا او قال انكم جئتم لتحاربونا في رزقنا ولكنكم دائمي السخريه منها ومن اهلها الا تتقوا الله وتعدلوا ؟ هذا ماكان يدور بين رجل وزوجته من نفس البلد والجنسيه والديانه واللغه فما بالنا بمن يترك قاره ويهاجر الي قاره اخري . ومثال الحاج حلمي ينطبق علي كثير من البشر فتسمعهم يقولون عن الاصل دور ، وبلادي وان جارت علي عزيزه واهلي وان ضنوا علي كرام ، واحنا ناس فلاحين نعرف الاصول والعيب ، واللي يخرج من داره يتقل مقداره

حتي من كانوا يقيمون في الاحياء الشعبيه ثم انتقلوا الي احياء غنيه في نفس المدينه تسمعهم يقولون احنا ناس جدعان ولاد اصل من بولاق

إن اردنا توسيع الدائره فسينطبق رصد هذه الظاهره علي كثير من البشر في انحاء العالم ، فحماي المرحوم الفونس كوتيير ولد في قريه ياون السويسريه الجبليه ثم رحل منها الي مدينه فرايبورج بنفس الولايه بحثا عن الرزق ولكن ظلت ياون هي الجنه وهي الاصل . فما بالنا بالمصري او المهاجر القادم من الشرق ليقضي حياته في بلاد الغرب المختلفه تقريبا في كل شيئ وابسطها اللغه والدين والعادات والتقاليد . التارك لوطنه مهاجرا او راحلا لبلد اخر اما مرغما لاسباب عده منها الهروب او اللجوء السياسي او الحياه القاسيه واما رحل بمحض ارادته بحثا عن رزق ماديا او دراسه او لسبب اخر

سيلقي في البلد الجديد مصيرين لاثالث لهما اما النجاح والوصول لما كان يحلم به واما الفشل لاسباب مختلفه قد يكون هو له دخل بها ام لا ، فان فشل فسيكون حنينه الي وطنه الام رد فعل طبيعي بل قد يعتقد الكثير منهم ان الله قد عاقبه بالفشل لانه ترك وطنه . ولكن العجيب في ردود افعال من يلقي نجاحا ويحقق حلمه ، فمع هذا يظل الماضي في وطنه الام هو الاحلي والاكثر رومانسيه ويسلام علي الايام بتاعه زمان ، كانت ايام حلوه وجميله ، وهكذا يصبح الماضي مهما كانت المعاناه فيه مثل الحلم الجميل والحاضر بالرغم من كل محاسنه مقارنه بالماضي ممقوتا

الموتور القابع خلف الثلاجه مش عايز يفصل والافكار والاسئله اللي داخل الثلاجه مش عايزه تبرد بل علي العكس حراره الموضوع في رأسي يزداد سخونه فيزداد معها دوران الموتور . فوجدتني أسأل هو الماضي ليه عند اغلب الناس دايما حلو وجميل ؟ والناس تلجأ دائما للماضي في تفسيرات كثير من امور حياتها سواء دينيه او اجتماعيه او سياسيه او حتي فكريه . الناس تأتي من اخر الدنيا الي بلد مثل مصر لتشاهد بلهفه شديده واعين ثابته وافواه مفتوحه وعقل مندهش مبهور عندما تقف امام الهرم او تشاهد اثارا ومعابد مبنيه من حجاره والجميع يتحدث عن المنجزات الخارقه التي صنعها اهل الماضي سواء كانت ابنيه او افكارا بالرغم ان مانصنعه نحن اليوم من تقدم علي سبيل المثال في المجال الطبي في المأئه سنه الاخيره فقط هو قفزه هائله في تاريخ التطور البشري ، والدليل علي هذا ان اعداد البشر التي كانت تسكن فوق كوكب الارض حتي المأئه سنه الاخيره كانت لاتزيد عن ثلاثه ونصف مليار نسمه وفي فتره مأئه سنه بالرغم من الحروب العالميه والمحليه زاد اكثر من الضعف ووصلنا الان الي اكثر من سبعه مليارات نسمه ومن المؤكد ان التطور الطبي الهائل لمحاربه أوبئه مثل الطاعون والكوليرا وقله عدد القتلي في الحروب هما من العوامل الرئيسيه في زياده عدد السكان . فالناس الان تصرخ وتولول اذا وقع عدد ضحايا نتيجه حرب او زلزال ووصلت اعداد القتلي الي ثلاثه الاف وفي الماضي غير البعيد كان اذا التقي جيشين فيسقط من كل منهما اكثر من خمسين الي مأئه الف قتيل كان امرا عاديا . بالاضافه ان متوسط عمر البشريه قد زاد بشكل ملحوظ ووصل في بعض البلاد مابين السبعين الي المأئه عام في حين ان روما من حوالي الفي سنه فقط ، وهو عمر بسيط جدا في تاريخ الكوكب الارضي ، لم يكن يزيد عمر العائش بها عن ثلاثين الي اربعين عاما علي الاكثر وهاك كان الحال ايضا في اغلب الحضارت القديمه مثل الحضاره المصريه القديمه وغيرها

وهذا يعني اننا قد حققنا انجازا وتطورا هائلا وقفزه عظيمه في المجال الطبي

وغيره من المجالات الاخري التي يصعب رصدها هنا ومع هذا نظل ننظر للماضي علي انه دائما الافضل ، بل ان الماضي فيه العبره والحكمه والعظه ونثق دائما فيما قاله وحكم به واقره اهل الماضي و ننهل منه الحلول ا اذا اصبحنا غير قادرين علي التأقلم مع الحاضر بكل مشاكله ومعاناته

بل ان من البشريه من يعلن ان حلول جميع مشاكلنا في الحاضر هي في العوده للماضي ليس فقط في حكمه ومواعظه لكن ايضا في شكله وسطحيته فيعتقد البعض منا اننا ان ارتدينا ملابسا مثملا كان يرتدي اهل الماضي وتحدثنا مثلهم وشربنا واكلنا ومشينا مثلهم وتركنا كل مظاهر الحياه الحديثه والعصريه سوف تحل جميع مشاكلنا الحاضره وسوف نفوز بالدنيا والاخره

الله يسامحك ياصديقي العزيز يابن عبدالعزيز اسئلتك ولعت لي دماغي

وموتور الثلاجه قرب يتحرق

في محاوله لايجاد اجابه شافيه عما سبق سؤاله وجدتني اقترح علي نفسي اقتراحا لماذا نلف وندور في حلقه التفصيلات والفرعيات ولانلجأ للاصل طالما ان المثل يقول عن الاصل دور ، يعني ببساطه ماهو اصل الانسان ومن

اين اتي فاذا اتجهانا الي هذا الطريق فهل سنجد اجابه ؟


وجدتني فعلا اجد بعض التفسيرات التي قد تجيب عن سؤال ماهو الوطن ، واعترف بدايه ان هذا التحليل ليس له سند علمي او تاريخي او ديني ولكنه تحليل شخصي بحت استنتجته من خلال قرأه قصه خلق الانسان ولكن من زاويه مختلفه عما تعودنا عليه . ففي جميع العقائد السماويه خلق الله سبحانه وتعالي ادم وسكن بدايه في الجنه ثم طرد منها وهبط علي الارض ليعمرها بعدما خالف اوامر الرحمن بعدم الاكل من الشجره المحرمه . وبالرغم ان الله قد خلق ادم بالاساس ليسكن الارض ويعمرها ويجعله خليفته فيها طبقا للأيه الكريمه ، اني جاعل في الارض خليفه ، علي الرغم من هذا لم يخلقه مباشره في الارض ولكن منحه بمفهومنا العصري وطنا اوليا وكانت هي الجنه التي لم يكن فيها جهد وتعب وكفاح وعمل ومكابده وشق انفس ولكن هدؤا وراحه ونعيم . الي ان خالف ادم تعاليم الخالق فاكل من الشجره المحرمه فكان جزاؤه الطرد من الجنه اي من وطنه الاول ليهبط الي وطنه الجديد وهي الارض وينزل معه ابليس المطرود ايضا ليصبح عدوا له وتبدأ قصه البشريه علي الارض الوطن الثاني لأدم وبنيه وسلالته وهو تاريخ كان ومازال مليئأ بالمكابده والجهد والتقاتل والصراع والدماء ، لحظات السعاده فيها قليلا واوقات الشقاء فيها كثيره او علي الاقل متوازيين . وبالطبع ظلت في ذاكره ادم وبنيه اقتران الماضي والوطن الاول بالجنه فحلم العوده اليها يراودهم في كل لحظه وكل ثانيه خصوصا اذا اشتدت الازمات في الحاضر الشاق المجهد المؤلم فيزداد الشوق والحنين الي الوطن الاول والي الماضي وطبقا لقصه الخلق فقد بقيت معاني داخل ادم توارثها ابنائه وسلالته من بعده ظلت تترعرع وتنمو في وجدانهم وهي ان الوطن الاول الذي اصبح ماضيا كان الجنه والمنحه والهديه الربانيه والوطن الارضي الثاني الذي يمثله الحاضر هو العقوبه ، ومع هذا ولأن الله يعلم مايدور في ادم ووجدانه فقد وعده ووعد ابنائه وسلالته من بعده إن احسنوا فسوف ينالوا الجنه اي العوده الي الوطن الاول الخالي من كل تلك المعاناه والمكابده ومن اساء فإن العقاب سيكون اشد قسوه من المره الأولي اولا بالحرمان الابدي من جنه النعيم ومن العوده الي الوطن الاول ثم النفي الابدي الي جهنم وبئس المصير . وسنجد تقريبا في جميع الحضارات الماضيه وايضا الحاليه والتي حتي لاتعتقد في الديانات السماويه مثل البوذيه والكنفوشيه والهندوسيه والزرادشتيه واليونانيه والرومانيه القديمه قد تحدثت عن الجنه وعن وعد العوده سواء سميت هذه الجنه في الكتب السماويه بالفردوس او في الديانات الاخري بالنيرفانا فالجميع مشترك في نفس المغزي والفلسلفه والهدف وهو ان المستقبل بعد الموت لمن يحسن سيكلل بالفوز بالجنه التي كانت في الماضي الوطن الاول

ليظل حلم العوده للوطن الاول يوازي حلم الفوز بالجنه الموعوده

محمد عبدالرحمن

يوليو 2010

2010/07/01

الاختلافات البيئيه 1

الاختلافات البيئيه

١

الانسان والمثلث والدائر ه

سألني صديقي العزيز بن عبدالعزيز السؤال التالي

كتب لك القدر ان تعيش وتحتك بشعوب وحضارات مختلفة ورايتها في مراحل مختلفة من العمر والان اريد ان اعلم منك بعد هذا العمر ما هو الاختلاف البين بين السويسريين وغيرهم من ناحية الثقافة والاتجاهات الاجتماعية وفي طريقة التعامل فانا من خلال احتكاكي في العمل اعاشرهم فقط في السياحة وهناك فرق ان تعاشر انسان في بلده وان تعايشه في بلد اخر وقد لاحظت علي سبيل المثال ان المصريين شعب مضياف وكريم ويرحب بالضيف وخفيف الدم ولكنه في الخارج شخص مختلف فالجالية المصرية في الخارج ضعيفة ومتفككة وغير متالفة وذلك علي النقيض تماما من شخصيته في بلده والسؤال الذي اطرحه عليك هو :هل التعامل مع السويسرين والتفاهم معهم اسهل من الجنسيات الاخري وهل انت اندمجت مع افكارهم ومع طريقة تعاملهم مع بعضهم ام لا وهل انت تشعر في بعض الاحيان باحساس الغريب ام لا ؟ ولاحظ انني افرق بين السلوك والحقوق فالقانون يكفل لك كل الحقوق ولكني اتحدث عن المجتمع ولاحظ ايضا اني اتحدث عن الفكر فلاتقل لي انه يحب النظافة ومنظم ويعشق الورد ولكني اريد منك ان اعرف وجهة نظرك وهل

انت مرتاح في التعامل معهم ام لا ؟

وبعد تفكير طويل وعميق كانت اجابتي الطويله علي الاسئله القصيره كالتالي

هات ورقه وقلم وارسم مثلث متساوي الاضلاع ثم ضع داخل المثلث دائره يمس قطرها اضلاع المثلث ثم ضع نقطه وسط الدائره

والان نسمي هذا الشكل الهندسي كالتالي

اطلق علي احد اضلاع المثلث مصطلح النظام اي الدوله بقوانينها ودستورها

والضلع الثاني المجتمع بعقليته وفكره وعاداته وتقاليده

والضلع الثالث السلوك سواء عام او فردي

اما النقطه التي في المنتصف فهي الانسان الذي يتحرك في الدائره ولابد له ان يحتك ويلامس جميع اضلاع المثلث

وهنا ستجد الاختلاف البين في كيفيه تحرك هذه النقطه البشريه

هل هي تدور في حلقه مفرغه ؟

هل لديها المبادره الشخصيه والشجاعه للاقتراب من اضلاع المثلث الثلاثه ؟

هل تترك نفسها للشد والجذب من اقطاب زوايا المثلث دون ان تقوم باي مجهود شخصي ؟

وهكذا هناك مئات الاسئله او الحالات ولكل حاله ظروفها

تزيد الحاله صعوبه وتعقيدا وتزداد شخصنه وتفردا اذا انتقلت نقطه بشريه من مثلث اخضر مثلا الي مثلث احمر او لنقل هاجرت اليه فمن المؤكد ان دورانها في المثلث الجديد سيكون في منتهي الصعوبه والتعقيد علي الاقل في بدايه الامر

وكما هي طبيعه الحال في خلق الله فان زرع اي عضو غريب في جسم اخر قد يفلح وقد يفشل حتي لو كانت خطه ومقومات زراعه هذا العضو الجديد مدروسه ومخططه جيدا

والسبب انه قد تحدث بعض التفاعلات الغير المرئيه والتي لم تكن في الحسبان قبل اجراء عمليه الزرع تتسبب معها ان يلفظ الجسم العضو الغريب حتي لو كان هذا العضو نافعا له او منقذا لحياته

علي الجانب الاخر سنجد بعض الاجسام الغريبه التي تدخل جسد الانسان وتبقي داخله مدي الحياه مثل رصاصه تلقاها في معركه ولايلفظها الجسد طالما انها بقيت خامله فلاهي ضاره ولا هي نافعه

فاذا لم يجد الانسان تفسيرا لهذه الظواهر لجأ الي التحليل الميتافيزيقي فيسمي هذه الظواهر باسماء تعلو علي منطقهه التخطيطي والحسابي مثل الحظ والنصيب والقضاء والقدر وبالطبع مشيئه الله

فالعبد في التفكير والرب في التدبير

والان نتجه الي السؤال عن الفرق بين السويسريين

والجنسيات ألاخري

هنا سنتجه اولا الي ضلع المثلث الاول وهو النظام ، وسنجد

عوامل وقواعد واطارات واسقف مشتركه تجمع بين مجتمعات ودول مانطلق عليه العالم الغربي اي اوروبا وامريكا وكندا واستراليا

نشأت في مراحل تاريخيه طويله علي الاخص منذ بدأ الانتشار التوسعي الامبريالي للدوله الرومانيه عندما حكمت تقريبا اغلب العالم القديم

والكثير من قواعد وقوانين هذا العالم الغربي الحالي مأخوذ من الفكر اليوناني الفلسفي القديم الذي انتشر علي يد الرومان ثم تجمد لفترات تاريخيه مظلمه مختلفه ثم احيي مره اخري مع عصر النهضه ثم اصابته نكسات متعدده حتي نابوليون بونابرت الذي احيا هذا الفكر ثم طوره وجدده واعاد تركيبه في اضافات وقفزات هائله مثل الفصل بين الدين والدوله او مانطلق عليه العلمانيه اي الاخذ بقوانين العالم وان مالله لله ومالقيصر لقيصر

فالهيأت الدينيه لاتدعم من الدوله ولكن تدعم نفسها بنفسها ثم نشأ مانسميه بالدستور واصلها

فارسي وتعني النظام ولكن باللغات الاوروبيه اخذت الكلمه من الاصل اللاتيني وهي

Constitution كونيستوتسيون

وسنجد جميع الدساتير الحديثه التي تنظم علاقه المواطن بالدوله مأخوذه من فكر الثوره الفرنسيه ومدعومه بالتنظيم البونابارتي واهمها حقوق المواطن والمواطنه وان جميع المواطنين سواء امام القانون بصرف النظر عن عقديته او لونه اوجنسه

وبالطبع فان هذا الفكر واجه انتكاسات عديده منها علي سبيل فتره الحرب العالميه الاولي والثانيه ، وحتي الان تحدث له كبوات واخرها علي سبيل المثال حظر بناء المأذن في سويسرا

فهذه من المؤكد كبوه وعوده الي الوراء ولكنها ولحسن الحظ تأثيرها السلبي رمزي اكثر منه واقعي

الاختلاف سيبدأ في الضلع الثاني والثالث اي المجتمع وتقاليده وسلوكياته وتعامله مع الاخرين

هذه الاختلافات ناشئه لاسباب عديده اهمها تاريخيه وبيئيه ولغويه

فبلد مثل سويسرا هي عباره عن ٢٦ مقاطعه او مايطلق عليه كانتون كانت في الماضي امارات او دويلات صغيره يحكمها اقطاعيون اغنياء وسط اكبر سلسله من جبال الالب الشاهقه في اوروبا

رأي هؤلاء انه ليس لديهم الا خياريين اما ان يتجمعوا سويا في اتحاد فيدرالي محايد لايدخل في نزاعات اقليميه مع امبراطوريات وممالك تحيط بهذه الاقطاعيات او الكانتونات مثل الامبراطوريه النمساويه التي كانت في عز قوتها في ذلك الوقت وكانت تحكم تقريبا اوروبا باتفاق مع البابا الروماني وسميت الامبراطوريه الرومانيه المقدسه ذات القوميه الالمانيه وكانت عاصمتها فيينا والتي قضي عليها نابوليون فيما بعد

او انهم يصيروا جزاء من هذه الامبراطوريات والممالك فيكون القسم الالماني خاضعا للنمسا والقسم الفرنسي خاضعا لفرنسا والقسم الايطالي لمملكه ميلانو الايطاليه

وتم الاتفاق علي انشاء الاتحاد الفيدرالي السويسري وهو مارحبت به ايضا بعض الممالك المحيطه لسببين

احدهما الطبيعه الجبليه الشاقه في هذه الاقطاعيات وبالتالي يصعب السيطره عليها عسكريا و ثانيهما انه كانت من مصلحه حتي الدول المعاديه لبعضها ان تجد مكانا امنا محايدا في وسط اوروبا يكون مهربا ومخبأ لأموالهم

في حاله انهزام احدهم

بالطبع لم يكن التاريخ السويسري كله عسل فقد كانت هناك ايضا حروبا وقلاقل وفتن داخليه ورغبه في سيطره مقاطعه او كانتون علي الاخري حتي انشأت سويسرا اول دستور لها يسري علي جميع الكانتونات اي الولايات او المقاطعات في سنه ١٨٤٨ ونشأت معه مانسميه الان الجنسيه السويسريه

معني هذا ان سويسرا لم تكن في يوم من الايام في تاريخها الممتد ٨٠٠ عاما امه مثل الامم النمساويه او الفرنسيه او الالمانيه او مانطلق عليه

Nation باللاتيني مصطلح ناتسيون

لم تكن هناك قوميه سويسريه ولكن ناس اتفقت تعيش مع بعض اما في سلام او سوف يفترسهم الاخرون

وقد شكل هذا بالطبع العقليه السويسريه الحاليه في تعاملها مع الاخر ، فهم اناس براجماتيون

اي نفعييون بالمعني الايجابي للنفعيه لانه لولا هذه النفعيه او البرجماتيه لما نشأت دولتهم اصلا المكونه ه من ٢٦ دويله تتحدث ٤ لغات مختلفه ناهيك عن الفروق الشاسعه في اللهجات الداخليه وايضا في العقليه مابين السويسري الشرقي الالماني او الغربي الفرنسي او الجنوبي الايطالي

الشعب والمجتمع السويسري في سلوكه العام يمكن ان نطلق عليه ببساطه شعب محترم ويؤمن بقاعده عيش وسيب غيرك يعيش وشعب عنده صبر ينقط ويطلع الروح وباله طويل قد يصل الي البطئ الشديد في اتخاذ قرارته او تنفيذ امرا ما ولكن اذا نفذها فهو ينفذها بضمير صاحي جدا وهو شعب دقيق للغايه وحياته كلها نظام في نظام حتي في العزومات والدعوات و هذا في بعض الاحيان عيبا لان مساحه العفويه السريعه ضيقه وضعيفه جدا

يعني علشان اتصل بصديق مثلا واقوله ايه رايك ماتيجي ننزل نتمشي شويه علي الكورنيش بتاع زيورخ لازم انظمها معاه قبلها بثلاث اشهر علي الاقل وهذا ناشئ من الجديه في العمل والسعي والجري وراء الرزق علشان

يوفروا قرشين يعملوا بيهم رحله في السنه

السلوك العام فيما نسميه خدمه العملاء هو من اهم مميزات هذا البلد فقلما تجد بائع او ملاحظ في قطار او موظف شباك يكشر في وجهك ، الجميع يتحدث معك في ادب بالغ . حتي الطبيب في عيادته الخاصه مهما كانت درجته العلميه لايترك ممرضته او سكرتيرته تحضر المرضي اليه في غرفه الكشف ولكن لابد ان يخرج هو بنفسه للقاء المريض والترحاب به والسلام عليه بيده ثم اصطحابه الي غرفه الكشف حسب الدور والميعاد ومافيش بقي الحركات نص الكم بتاعتنا لو مثلا واحد من المرضي الاخرين صديق الدكتور ولا معرفته من بعيد ولا حتي ابوه يقف ويقوله اهلا حبيبي وبالحضن والبوس امام الحاضرين . ومن الناس من يقول ان الشعب السويسري يخفي خلف هذه الوجه المبتسم والذوق الزائد عن اللزوم مكرا وخبثا زي مكر الفلاحين

وانا اؤيد جزأ من هذه المقوله . السويسريون عندهم فعلا لؤم فلاحين ولكنه غالبا نافع وغير ضار ، وممكن نسميه حذاقه الفلاحين ولكنها حذاقه مدروسه مش زي الحداقه العبيطه عند بعض من اهل الشرق

الالمان الذين يعملون هنا وهم حاليا اكبر جاليه اجنبيه تعمل في سويسرا يأخذ الكثير منهم كورسات ودورات تدريبيه في كيفيه التعامل مع السويسرين وايضا التدريب علي فهم ونطق اللهجه السويسريه لان الالماني انسان مباشر جدا في لغته وطلباته وسؤاله اما السويسري فيستخدم دائما صيغه الكونديسيونيل اي الطلب بصيغه السؤال وليس بصيغه الامر علي سبيل المثال يطلب منك الالماني هكذا اذا كنت عامل تليفون في فندق

من فضلك اوصلني بغرفه رقم ٣١٠

اما السويسري فيطلب منك هكذا

هل من الممكن ان تفضلت ان توصلني بغرفه رقم ٣١٠ ؟

الفرق الواضح تماما هنا هي السرعه اللغويه فقبل ان ينهي السويسري جمله مفيده يكون الالماني قد القي خطبه عصماء من ١٠ صفحات . وهذه النقطه بالذات هي احدي العوامل الرئيسيه في سوء الفهم مابين الالمان والسويسريين

ويقولون هنا علي سبيل المزاح الواقعي

رئيسك في العمل اذا كان الماني وغضب منك سيقولها في جهك مباشره واذا اعطاك تحذيرا في العمل فكن سعيدا فمعني هذا انه مهتم بعملك ويقدرك

اما اذا كان سويسريا فعلي مايوصللك هو عايز يقولك ايه وفين هي المشكله

تكون انت خرجت علي المعاش

السويسري بصفه عامه متواضع وغير مولع بالالقاب الا في الحالات الرسميه جدا ويفضل ان تناديه باسمه

وتقول له مستر مايير علي انت تناديه السيد الاستاذ الدكتور مايير

وهو يكره النفاق ويتشكك في المديح ويتقبل المجاملات علي مضد

الشعوب الاوروبيه تنتخب حكوماتها ثم تقوم الحكومه باتخاذ القرارت ومناقشتها مع المعارضه في البرلمان ، اما السويسريون فيجرون علي كل كبيره وصغيره استفتاء حتي علي رصف الشوراع

انا لامزح هذه حقيقه

فلدينا اربعه مواعيد لاستفتاء ات عامه في السنه علي المستوي الفيدرالي

ثم لكل كانتون وحي استفتأته المحليه

يعني الشعب مصدر السلطات بحق وحقيق وتطبيقها عملي وهذا مايطلقون عليه الديموقراطيه المباشره وليس لها مثيل علي نفس الشاكله تقريبا في اي بلد في العالم

طبعا نحن هنا نتحدث عن سلوك عام اما اذا هبطنا عده درجات للسلوك الفردي فسنجد جميع الوان الطيف كما هو الحال في اي مجتمع بشري

ستجد السارق والكذاب والمخادع والفشار والخامورجي والمدمن وقليل الادب واللي مش متربي واللي ماعندوش ذوق وهكذا

والعقده والصعوبه الحقيقيه لدي اي مواطن مهاجر من بلد اخر هي ان يتعرف ويفصل ويستطيع ان يفرق فيما هو فردي وماهو عام وماهو مسموح وماهو ممنوع وماهو اخلاقي وماهو من الرذائل

حتي الالماني والنمساوي الذين يتحدثون نفس اللغه ومشتركون في نفس المقومات الحضاريه والثقافيه والتاريخيه يجدون صعوبه في بدايه الامر للتأقلم مع هذا المجتمع الجديد

فما بالنا بمحمد حلمي عبدالرحمن المولود في في القاهره بدرب طرطور الكبير بحي القلعه والناشئ في شارع السلام بساحل روض الفرج والدارس بجامعه الازهر الاسلاميه بحي الحسين وابن الحاج حلمي الاتي من قريه القزاقزه مركز المنزله محافظه الدقهليه

والعامل لمده عشر سنوات في مجال الارشاد السياحي بمصر

ثم يأتي الي سويسرا مهاجرا وهو في سن السادسه والثلاثين من عمره

لينتقل من مثلث مصر الصحراوي الاصفر هابطا علي مثلث سويسرا

الجبلي الاخضر ليقف وسط الدائره الجديده ولايعرف من اين يبدأ وكأنه مثل ارمسترونج اول اونسان ورجل فضاء هبط فوق سطح القمر

اي انه منذ الان بدأ يتعامل مع مجهول ، فهل استطاع ان يجد في المثلث الاخضر الجديد عوضا عن المثلث الاصفر ويكون له وطنا بديلا ؟


انتظرونا في الفصل الثاني من الاختلافات البيئيه وعنوانه الوطن

والجنه والموعوده

محمد عبدالرحمن

يونيو 2010