الاختلافات البيئيه
١
الانسان والمثلث والدائر ه
سألني صديقي العزيز بن عبدالعزيز السؤال التالي
كتب لك القدر ان تعيش وتحتك بشعوب وحضارات مختلفة ورايتها في مراحل مختلفة من العمر والان اريد ان اعلم منك بعد هذا العمر ما هو الاختلاف البين بين السويسريين وغيرهم من ناحية الثقافة والاتجاهات الاجتماعية وفي طريقة التعامل فانا من خلال احتكاكي في العمل اعاشرهم فقط في السياحة وهناك فرق ان تعاشر انسان في بلده وان تعايشه في بلد اخر وقد لاحظت علي سبيل المثال ان المصريين شعب مضياف وكريم ويرحب بالضيف وخفيف الدم ولكنه في الخارج شخص مختلف فالجالية المصرية في الخارج ضعيفة ومتفككة وغير متالفة وذلك علي النقيض تماما من شخصيته في بلده والسؤال الذي اطرحه عليك هو :هل التعامل مع السويسرين والتفاهم معهم اسهل من الجنسيات الاخري وهل انت اندمجت مع افكارهم ومع طريقة تعاملهم مع بعضهم ام لا وهل انت تشعر في بعض الاحيان باحساس الغريب ام لا ؟ ولاحظ انني افرق بين السلوك والحقوق فالقانون يكفل لك كل الحقوق ولكني اتحدث عن المجتمع ولاحظ ايضا اني اتحدث عن الفكر فلاتقل لي انه يحب النظافة ومنظم ويعشق الورد ولكني اريد منك ان اعرف وجهة نظرك وهل
انت مرتاح في التعامل معهم ام لا ؟
وبعد تفكير طويل وعميق كانت اجابتي الطويله علي الاسئله القصيره كالتالي
هات ورقه وقلم وارسم مثلث متساوي الاضلاع ثم ضع داخل المثلث دائره يمس قطرها اضلاع المثلث ثم ضع نقطه وسط الدائره
والان نسمي هذا الشكل الهندسي كالتالي
اطلق علي احد اضلاع المثلث مصطلح النظام اي الدوله بقوانينها ودستورها
والضلع الثاني المجتمع بعقليته وفكره وعاداته وتقاليده
والضلع الثالث السلوك سواء عام او فردي
اما النقطه التي في المنتصف فهي الانسان الذي يتحرك في الدائره ولابد له ان يحتك ويلامس جميع اضلاع المثلث
وهنا ستجد الاختلاف البين في كيفيه تحرك هذه النقطه البشريه
هل هي تدور في حلقه مفرغه ؟
هل لديها المبادره الشخصيه والشجاعه للاقتراب من اضلاع المثلث الثلاثه ؟
هل تترك نفسها للشد والجذب من اقطاب زوايا المثلث دون ان تقوم باي مجهود شخصي ؟
وهكذا هناك مئات الاسئله او الحالات ولكل حاله ظروفها
تزيد الحاله صعوبه وتعقيدا وتزداد شخصنه وتفردا اذا انتقلت نقطه بشريه من مثلث اخضر مثلا الي مثلث احمر او لنقل هاجرت اليه فمن المؤكد ان دورانها في المثلث الجديد سيكون في منتهي الصعوبه والتعقيد علي الاقل في بدايه الامر
وكما هي طبيعه الحال في خلق الله فان زرع اي عضو غريب في جسم اخر قد يفلح وقد يفشل حتي لو كانت خطه ومقومات زراعه هذا العضو الجديد مدروسه ومخططه جيدا
والسبب انه قد تحدث بعض التفاعلات الغير المرئيه والتي لم تكن في الحسبان قبل اجراء عمليه الزرع تتسبب معها ان يلفظ الجسم العضو الغريب حتي لو كان هذا العضو نافعا له او منقذا لحياته
علي الجانب الاخر سنجد بعض الاجسام الغريبه التي تدخل جسد الانسان وتبقي داخله مدي الحياه مثل رصاصه تلقاها في معركه ولايلفظها الجسد طالما انها بقيت خامله فلاهي ضاره ولا هي نافعه
فاذا لم يجد الانسان تفسيرا لهذه الظواهر لجأ الي التحليل الميتافيزيقي فيسمي هذه الظواهر باسماء تعلو علي منطقهه التخطيطي والحسابي مثل الحظ والنصيب والقضاء والقدر وبالطبع مشيئه الله
فالعبد في التفكير والرب في التدبير
والان نتجه الي السؤال عن الفرق بين السويسريين
والجنسيات ألاخري
هنا سنتجه اولا الي ضلع المثلث الاول وهو النظام ، وسنجد
عوامل وقواعد واطارات واسقف مشتركه تجمع بين مجتمعات ودول مانطلق عليه العالم الغربي اي اوروبا وامريكا وكندا واستراليا
نشأت في مراحل تاريخيه طويله علي الاخص منذ بدأ الانتشار التوسعي الامبريالي للدوله الرومانيه عندما حكمت تقريبا اغلب العالم القديم
والكثير من قواعد وقوانين هذا العالم الغربي الحالي مأخوذ من الفكر اليوناني الفلسفي القديم الذي انتشر علي يد الرومان ثم تجمد لفترات تاريخيه مظلمه مختلفه ثم احيي مره اخري مع عصر النهضه ثم اصابته نكسات متعدده حتي نابوليون بونابرت الذي احيا هذا الفكر ثم طوره وجدده واعاد تركيبه في اضافات وقفزات هائله مثل الفصل بين الدين والدوله او مانطلق عليه العلمانيه اي الاخذ بقوانين العالم وان مالله لله ومالقيصر لقيصر فالهيأت الدينيه لاتدعم من الدوله ولكن تدعم نفسها بنفسها ثم نشأ مانسميه بالدستور واصلها
فارسي وتعني النظام ولكن باللغات الاوروبيه اخذت الكلمه من الاصل اللاتيني وهي
Constitution كونيستوتسيون
وسنجد جميع الدساتير الحديثه التي تنظم علاقه المواطن بالدوله مأخوذه من فكر الثوره الفرنسيه ومدعومه بالتنظيم البونابارتي واهمها حقوق المواطن والمواطنه وان جميع المواطنين سواء امام القانون بصرف النظر عن عقديته او لونه اوجنسه
وبالطبع فان هذا الفكر واجه انتكاسات عديده منها علي سبيل فتره الحرب العالميه الاولي والثانيه ، وحتي الان تحدث له كبوات واخرها علي سبيل المثال حظر بناء المأذن في سويسرا
فهذه من المؤكد كبوه وعوده الي الوراء ولكنها ولحسن الحظ تأثيرها السلبي رمزي اكثر منه واقعي
الاختلاف سيبدأ في الضلع الثاني والثالث اي المجتمع وتقاليده وسلوكياته وتعامله مع الاخرين
هذه الاختلافات ناشئه لاسباب عديده اهمها تاريخيه وبيئيه ولغويه
فبلد مثل سويسرا هي عباره عن ٢٦ مقاطعه او مايطلق عليه كانتون كانت في الماضي امارات او دويلات صغيره يحكمها اقطاعيون اغنياء وسط اكبر سلسله من جبال الالب الشاهقه في اوروبا
رأي هؤلاء انه ليس لديهم الا خياريين اما ان يتجمعوا سويا في اتحاد فيدرالي محايد لايدخل في نزاعات اقليميه مع امبراطوريات وممالك تحيط بهذه الاقطاعيات او الكانتونات مثل الامبراطوريه النمساويه التي كانت في عز قوتها في ذلك الوقت وكانت تحكم تقريبا اوروبا باتفاق مع البابا الروماني وسميت الامبراطوريه الرومانيه المقدسه ذات القوميه الالمانيه وكانت عاصمتها فيينا والتي قضي عليها نابوليون فيما بعد
او انهم يصيروا جزاء من هذه الامبراطوريات والممالك فيكون القسم الالماني خاضعا للنمسا والقسم الفرنسي خاضعا لفرنسا والقسم الايطالي لمملكه ميلانو الايطاليه
وتم الاتفاق علي انشاء الاتحاد الفيدرالي السويسري وهو مارحبت به ايضا بعض الممالك المحيطه لسببين
احدهما الطبيعه الجبليه الشاقه في هذه الاقطاعيات وبالتالي يصعب السيطره عليها عسكريا و ثانيهما انه كانت من مصلحه حتي الدول المعاديه لبعضها ان تجد مكانا امنا محايدا في وسط اوروبا يكون مهربا ومخبأ لأموالهم
في حاله انهزام احدهم
بالطبع لم يكن التاريخ السويسري كله عسل فقد كانت هناك ايضا حروبا وقلاقل وفتن داخليه ورغبه في سيطره مقاطعه او كانتون علي الاخري حتي انشأت سويسرا اول دستور لها يسري علي جميع الكانتونات اي الولايات او المقاطعات في سنه ١٨٤٨ ونشأت معه مانسميه الان الجنسيه السويسريه
معني هذا ان سويسرا لم تكن في يوم من الايام في تاريخها الممتد ٨٠٠ عاما امه مثل الامم النمساويه او الفرنسيه او الالمانيه او مانطلق عليه
Nation باللاتيني مصطلح ناتسيون
لم تكن هناك قوميه سويسريه ولكن ناس اتفقت تعيش مع بعض اما في سلام او سوف يفترسهم الاخرون
وقد شكل هذا بالطبع العقليه السويسريه الحاليه في تعاملها مع الاخر ، فهم اناس براجماتيون
اي نفعييون بالمعني الايجابي للنفعيه لانه لولا هذه النفعيه او البرجماتيه لما نشأت دولتهم اصلا المكونه ه من ٢٦ دويله تتحدث ٤ لغات مختلفه ناهيك عن الفروق الشاسعه في اللهجات الداخليه وايضا في العقليه مابين السويسري الشرقي الالماني او الغربي الفرنسي او الجنوبي الايطالي
الشعب والمجتمع السويسري في سلوكه العام يمكن ان نطلق عليه ببساطه شعب محترم ويؤمن بقاعده عيش وسيب غيرك يعيش وشعب عنده صبر ينقط ويطلع الروح وباله طويل قد يصل الي البطئ الشديد في اتخاذ قرارته او تنفيذ امرا ما ولكن اذا نفذها فهو ينفذها بضمير صاحي جدا وهو شعب دقيق للغايه وحياته كلها نظام في نظام حتي في العزومات والدعوات و هذا في بعض الاحيان عيبا لان مساحه العفويه السريعه ضيقه وضعيفه جدا
يعني علشان اتصل بصديق مثلا واقوله ايه رايك ماتيجي ننزل نتمشي شويه علي الكورنيش بتاع زيورخ لازم انظمها معاه قبلها بثلاث اشهر علي الاقل وهذا ناشئ من الجديه في العمل والسعي والجري وراء الرزق علشان
يوفروا قرشين يعملوا بيهم رحله في السنه
السلوك العام فيما نسميه خدمه العملاء هو من اهم مميزات هذا البلد فقلما تجد بائع او ملاحظ في قطار او موظف شباك يكشر في وجهك ، الجميع يتحدث معك في ادب بالغ . حتي الطبيب في عيادته الخاصه مهما كانت درجته العلميه لايترك ممرضته او سكرتيرته تحضر المرضي اليه في غرفه الكشف ولكن لابد ان يخرج هو بنفسه للقاء المريض والترحاب به والسلام عليه بيده ثم اصطحابه الي غرفه الكشف حسب الدور والميعاد ومافيش بقي الحركات نص الكم بتاعتنا لو مثلا واحد من المرضي الاخرين صديق الدكتور ولا معرفته من بعيد ولا حتي ابوه يقف ويقوله اهلا حبيبي وبالحضن والبوس امام الحاضرين . ومن الناس من يقول ان الشعب السويسري يخفي خلف هذه الوجه المبتسم والذوق الزائد عن اللزوم مكرا وخبثا زي مكر الفلاحين
وانا اؤيد جزأ من هذه المقوله . السويسريون عندهم فعلا لؤم فلاحين ولكنه غالبا نافع وغير ضار ، وممكن نسميه حذاقه الفلاحين ولكنها حذاقه مدروسه مش زي الحداقه العبيطه عند بعض من اهل الشرق
الالمان الذين يعملون هنا وهم حاليا اكبر جاليه اجنبيه تعمل في سويسرا يأخذ الكثير منهم كورسات ودورات تدريبيه في كيفيه التعامل مع السويسرين وايضا التدريب علي فهم ونطق اللهجه السويسريه لان الالماني انسان مباشر جدا في لغته وطلباته وسؤاله اما السويسري فيستخدم دائما صيغه الكونديسيونيل اي الطلب بصيغه السؤال وليس بصيغه الامر علي سبيل المثال يطلب منك الالماني هكذا اذا كنت عامل تليفون في فندق
من فضلك اوصلني بغرفه رقم ٣١٠
اما السويسري فيطلب منك هكذا
هل من الممكن ان تفضلت ان توصلني بغرفه رقم ٣١٠ ؟
الفرق الواضح تماما هنا هي السرعه اللغويه فقبل ان ينهي السويسري جمله مفيده يكون الالماني قد القي خطبه عصماء من ١٠ صفحات . وهذه النقطه بالذات هي احدي العوامل الرئيسيه في سوء الفهم مابين الالمان والسويسريين
ويقولون هنا علي سبيل المزاح الواقعي
رئيسك في العمل اذا كان الماني وغضب منك سيقولها في جهك مباشره واذا اعطاك تحذيرا في العمل فكن سعيدا فمعني هذا انه مهتم بعملك ويقدرك
اما اذا كان سويسريا فعلي مايوصللك هو عايز يقولك ايه وفين هي المشكله
تكون انت خرجت علي المعاش
السويسري بصفه عامه متواضع وغير مولع بالالقاب الا في الحالات الرسميه جدا ويفضل ان تناديه باسمه
وتقول له مستر مايير علي انت تناديه السيد الاستاذ الدكتور مايير
وهو يكره النفاق ويتشكك في المديح ويتقبل المجاملات علي مضد
الشعوب الاوروبيه تنتخب حكوماتها ثم تقوم الحكومه باتخاذ القرارت ومناقشتها مع المعارضه في البرلمان ، اما السويسريون فيجرون علي كل كبيره وصغيره استفتاء حتي علي رصف الشوراع
انا لامزح هذه حقيقه
فلدينا اربعه مواعيد لاستفتاء ات عامه في السنه علي المستوي الفيدرالي
ثم لكل كانتون وحي استفتأته المحليه
يعني الشعب مصدر السلطات بحق وحقيق وتطبيقها عملي وهذا مايطلقون عليه الديموقراطيه المباشره وليس لها مثيل علي نفس الشاكله تقريبا في اي بلد في العالم
طبعا نحن هنا نتحدث عن سلوك عام اما اذا هبطنا عده درجات للسلوك الفردي فسنجد جميع الوان الطيف كما هو الحال في اي مجتمع بشري
ستجد السارق والكذاب والمخادع والفشار والخامورجي والمدمن وقليل الادب واللي مش متربي واللي ماعندوش ذوق وهكذا
والعقده والصعوبه الحقيقيه لدي اي مواطن مهاجر من بلد اخر هي ان يتعرف ويفصل ويستطيع ان يفرق فيما هو فردي وماهو عام وماهو مسموح وماهو ممنوع وماهو اخلاقي وماهو من الرذائل
حتي الالماني والنمساوي الذين يتحدثون نفس اللغه ومشتركون في نفس المقومات الحضاريه والثقافيه والتاريخيه يجدون صعوبه في بدايه الامر للتأقلم مع هذا المجتمع الجديد
فما بالنا بمحمد حلمي عبدالرحمن المولود في في القاهره بدرب طرطور الكبير بحي القلعه والناشئ في شارع السلام بساحل روض الفرج والدارس بجامعه الازهر الاسلاميه بحي الحسين وابن الحاج حلمي الاتي من قريه القزاقزه مركز المنزله محافظه الدقهليه
والعامل لمده عشر سنوات في مجال الارشاد السياحي بمصر
ثم يأتي الي سويسرا مهاجرا وهو في سن السادسه والثلاثين من عمره
لينتقل من مثلث مصر الصحراوي الاصفر هابطا علي مثلث سويسرا
الجبلي الاخضر ليقف وسط الدائره الجديده ولايعرف من اين يبدأ وكأنه مثل ارمسترونج اول اونسان ورجل فضاء هبط فوق سطح القمر
اي انه منذ الان بدأ يتعامل مع مجهول ، فهل استطاع ان يجد في المثلث الاخضر الجديد عوضا عن المثلث الاصفر ويكون له وطنا بديلا ؟
انتظرونا في الفصل الثاني من الاختلافات البيئيه وعنوانه الوطن
والجنه والموعوده
محمد عبدالرحمن
يونيو 2010