في محاوله للبحث والتنقيب في دهاليز وسراديب عقول شعوبنا في الشرق لإستنتاج او فهم مايصول ويجول في هذه العقول من افكار ، اكتشفنا ان هناك مخدرا نتعاطاه حتي الثماله والإدمان قد انتشر ـ خصوصا مع بدايه القرن الواحد والعشرين ودخولنا في الألفيه الثالثه - انتشار النار في الهشيم وأصبح مقدما علي موائد كل المؤسسات الدينيه والسياسيه والاجتماعيه والتعليميه والإعلاميه بسخاء وكرم كاد ينافس الكرم الحاتي ، والشعب يغرف منه ويتعاطاه بنهم شديد وبدون حساب تماما مثل موائد الرحمن في شهر رمضان الكريم . هذا المخدر اسمه " التمسك وعدم التخلي ... " . وهو مخدر له مفعول السحر في الأمخاخ وياحبذا لو خلطنا بعضا منه بمخدر " الحفاظ علي كيان المجتمع ووحده الأمه ...." فسوف نحصل علي نتيجه هائله في إسطال العقل الشرقي المنسطل اصلا منذ عدة قرون . فهو يجعل الناس في حاله هدوء وإسترخاء نفسي عجيب وقد تقبلوا واقعهم المرير برضاء تام دون ادني اجهاد للعقل في التفكير ، وماأدراك مالتفكير الذي قد يؤدي الي العمل والإجتهاد والتقدم والتطور والتغيير الحتمي والعياذ بالله ، فالقاعده المثلي التي ارتضتها شعوبنا منذ ردح من الزمن ان كل محدثه بدعه وكل بدعه ضلاله وكل ضلاله في النار ، وانه لولا تعاطي هذا المخدر لخربت الدنيا اكثر مما هي خربانه . والويل كل الويل اذا تبادر لذهن انسان مجنون مأفون خائن ، عميل للصهيونيه وولي للإمبرياليه ، خارج عن الدين والمله أن يرفض تعاطي هذا المخدر اللعين ، فستبقي وقعه اهله سوده وتبقي امه داعيه عليه ، وسيكون اقل عقاب لهذا المجرم هو محاكمته بتهمه الرده واقامه الحد عليه بدق عنقه امام كاميرا فيديو ثم عرض الشريط علي الموقع الإلكتروني لقناة الجزيره – طبعا ببلاش ولوجه الله ، وكله على خساب صاخب المخل- ليكون هذا عقابا رادعا لكل من تسول له نفسه الأماره بالسوء أن ينتقد من بعيد او قريب تعاطي المخدر المقدس .
والامثله علي هذا الإكتشاف كثيره كثره نجوم عدد السماء التي لاتعد ولاتحصي فأغلب تصرفاتنا وقراراتنا تدل علي اننا لانفوق من تعاطيه ابدا وكأنه اكسير الحياه . فعلي مستوي القضايا العربيه التزمت الغالبيه العظمي منا سواء شعوبا أوحكومات إلتزام القطار بشريط سكته الحديدي بوهم " عدم التخلي عن الحقوق المشروعه للشعب الفلسطيني ، والتمسك بكل شبر وحبه رمل من تراب ارض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف !!!
" ثم زادت عليها بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات رحمه الله عليه " التمسك وعدم التخلي عن نهج وسياسه وفكر ودرب السيد الرئيس الزعيم القائد المجاهد البطل الشهيد الأخ أبوعمار !!". وأود هنا ان أطرح سؤلا بسيطا وقد يبدو ساذجا: أي نهج وأيه سياسه وأي فكر كان يتبعها السيد ياسر عرفات رحمه الله ؟ فالأخ أبو عمار هو مهندس وأستاذ ومخطط وفيلسوف بل ومخترع لعبه عدم التخلي و التمسك ، ثم التخلي عن عدم التمسك ، ثم الا تخلي عن التمسك ، ثم اعاده تخلي التمسك عن تمسك التخلي وهكذا دواليك... بمعني أخر ان الأخ المجاهد البطل كان يتقن تماما دور تجار المخدرات اللذين يبيعون بضاعهتم اللعينه للناس الغلابه ويكسبون من وراء هذه التجاره ارباحا خياليه أما هم أنفسهم فلا يتعاطونها أبدا لأنهم ادري الناس بضررها... ولي هنا أن أتخيل رد فعل بعض الناس الفاييقين ، وهم قليلون للغايه في هذه الأيام ، علي هذه الهلاوس ، فهم من المؤكد سوف يضربون كفا بكف ويتسألون: من أي كوكب من كواكب المجموعه الشمسيه أو غير الشمسيه أتت هذه المخلوقات التي مازالت تردد هذا الكلام بل تستسيغه وتستعذبه؟ أم تري هؤلاء القوم منحدرين من سلاله أهل الكهف اللذين ناموا في كهفهم عشرات السنين ولم يدركوا ماحدث في الدنيا من حولهم من تطورات وأحداث جسام وأن البشريه قد انتقلت الي القرن الواحد والعشرين ؟!!! أيها الساده المساطيل أعلموا إن لم يكن قد بلغ الي علمكم بعد أن هناك دوله قد نشأت علي ارض فلسطين منذ أكثر من خمسين عاما وقامت باحتلال كل قطعه وكل شبر من هذه الارض بل ومن اراضي البلاد المجاوره ومع ذلك اعترف بها العالم من شرقه الي غربه ومن شماله الي جنوبه إلا قليلا من المساطيل والثمالي امثالنا وان هذه الدوله الناشئه الصغيره التي لايزيد تعداد سكانها عن اربعه مليون نسمه قد لقنتنا هزيمه تلو الأخري ، وفي كل مره نرفع رايه الرفض واللالآت وعدم التخلي والتمسك خفاقه عاليه الي عنان السماء مصحوبة بقذائف مدويه من فوهه مدافع حناجرنا بالتهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور للعدو الغاشم من اليهود الصهاينه المغضوب عليهم ومن ولاهم من الصليبيين الضاليين ومن ايدهم من الكفره والذنادقه والملحدين ، نكتشف بعدها انهم قد احتلوا بلادا جديده بأكملها من أراضي المؤمنين الشرقيين الطيبيين واحدة تلو الأخري ، فنخرج الي الشوارع هاتفين اننا حنحارب اسرائيل الأرانب وسوف نلقي بامريكا ومن ورئها في البحر، وياحسرتاه علي شرق غربت فيه نعمة العقل . استثناء واحدا في حرب أكتوبر 73 والتي كادت ان تنقلب هي الأخري الي هزيمه نكراء بفعل خطه شارون المعروفه بالثغره لولا ستر من الله وحكمه السادات رحمه الله الذي تخلي عن تعاطي " مخدر التمسك وعدم التخلي اللعين " بدايه بإتفاق فك القوات ونهايه بمعاهده السلام وهو الوحيد الذي سبق عصره وأدرك أنه لابد من تغيير الصنف لأن هذا المخدر اللعين قد اصبح مضروبا ومغشوشا . فقد حاول الرجل ان يغيير شيئا او يحرك شيئا من الركود الابدي الذي اصاب القضيه أو يفعل شيئا بدلا من الصراخ والعويل ولطم الخدود والبكاء علي اللبن المسكوب وكانت قولته المعروفه التي لخصت هذا الفكر الذي كان جديدا تماما علي عقولنا في كلمات بسيطه يستطيع ان يفهمها اي مواطن بسيط : " عندنا في الفلاحين لما كنا بنلعب دومنه ، إذا قفل الدور بنهده ونلعب دور جديد...!!!! " ثم كانت نهايته المعروفه . زاد علينا وغطي في هذه الأيام السوداء أن يخرج بعض من شبابنا وشاباتنا في عمر الزهور وقد ملئت رؤسهم بافكار وفتاوي النصابيين والدجالين من تجار الدين وتجار مخدرات التمسك وعدم التخلي ، ليلقوا بأنفسهم الي التهلكه منتحريين مفجريين أنفسهم ومعتقدين ان هذه الأعمال البلهاء هي الجهاد والمقاومه والقضاء علي العدو الماكر وفي نفس الوقت نيل الشهاده ودخول الجنه واهو زياده الخير خيرين . وكأنهم من شده الإنسطال قد عز عليهم أن تحتل اراضيهم وأن تدمر منازلهم فقط فقد اصروا أيضا علي تدمير وتخريب عقولهم وأجسادهم وبهذا نكون قد قضينا علي شبابا من المفترض انه عماد ودعامه ومستقبل اي أمه ، ولكن هذه المره بأيدينا لابيد شارون . ولم أري في ملحمه الجهاد العظيمه والقضاء علي العدو الغاشم واحدا من تجار فتاوي الإستشهاد بالإنتحار علي اختلاف اشكالهم وصورهم وألوان عمائمهم - سواء أصحاب العمم السوداء من الموالي وأيات الله أو العمم البيضاء ام ذيل من آل الأخوه والجماعات أوالعمم الكاكولا البيضه علي احمر من الشيوخ الموقريين – قد ذهب ولف حزام متفجرات حول جسده وقام بتفجير نفسه لينال الشهاده وجنه النعيم !!! وقد سؤل احدهم عن ذلك فأجاب الشيخ الفتونجي لا فض فوه بحسم وبدون تردد: " يعني لما احنا كمان نروح نفجر نفسينا ونستشهد يبقي حققنا للعدو اكبر امانيه لأن في هذه الحاله نكون قد قضينا علي علماء الأمه وعقولها !!! " ياسلام !!! أهي دي الحكمه والموعظه الحسنه والا فلا !! وهذا هو الجهاد الأعظم في سبيل الله ، وهذا هو العلم الحقيقي الذي لايضاهيه علم من علوم الدنيا الفانيه في دول الكفر والضلال ومخترعاتهم الشيطانيه واكتشافاتهم المؤبلسه !!! ألم يقرأ مولانا الشيخ العالم الجليل في السيره النبويه الشريفه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد خرج مع المسلمين في كل الغزوات ليقاتل معهم مثله مثل اي جندي ؟ أم أن شيخنا الذي لقب نفسه بالعالم لم يرقي الي علمه بعد ماقاله أبوبكر الصديق حين توفي الرسول عليه الصلاه والسلام :" من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت " أم أن هذه النوعيه من شيوخنا وموالينا واخواننا في الله قد نصبوا انفسهم خلفاء ووسطاء لله علي الأرض وبدونهم سوف تضل الأمه حتما طريقها الي الله ؟ فهل هناك نصب واحتيال ودجل واستغلال للدين وضحك علي عقول البسطاء ولعب بالبيضه والحجر اكثر من ذلك؟!!! خلاصه القول اننا لا نتعلم لا من تجاربنا الماضيه ولا من حاضرنا المهين وأغلب الظن اننا استعذبنا هذه الحاله وأن الجيل الحالي جيل الألفيه الثالثه يكرر نفس اخطاء ابائه واجداده . وأمثالنا العربيه الداله علي ذلك كثيره منها :
هذا الشبل من ذاك الأسد ، ابن الوز عوام ، من شابه اباه فما ظلم ، اسح الدح امبو الواد طالع لأبوه .....
أما علي المستوي المحلي فقد بلغني ان عددا من المصريين المسيحيين وبعض القساوسه قد اقاموا دعوي قضائيه لإيقاف عرض فيلم عنوانه " بحب السيما " والمطالبه بمحاكمه منتجه ومخرجه وكل من اشترك في صنعه ، لان هذا الفيلم طبقا لوجه نظرهم قد اساء أساءه بالغه الي الديانه المسيحيه والي رجال الدين المسيحي كما انه يحرض علي الفتنه بين الطوائف والمذاهب المسيحيه المختلفه ـ علي فكره منتج هذا الفيلم ومخرجه مسيحيين ـ التي تعيش في مصر في سلام ووئام ومحبه وتسامح وترابط !!! الفيلم يحكي قصه اسره مصريه مسيحيه تعيش في الستينات من القرن الماضي ، رب هذه الأسره رجلا متزمت ومتشدد دينيا و يربط كل شئ في حياته بالتدين الظاهري وبالطبع تعاني الأسره كلها وخصوصا ابنه الصغير الذي يحب السيما من هذا التطرف .
لست هنا بصدد تقييم الفيلم من الناحيه الفنيه فهذا له اناسه المتخصصين . لكن أكثر ماراعي انتباهي في هذه القضيه ان عددا من حاملي رايات التكفير من الاخوه في الله المسلمين قد انضموا جانبا الي جنب ووضعوا ايديهم في يد رافعي الدعوي من اصحاب القداسه بل واشتركوا معهم في رفعها وليحيا الهلال مع الصليب...وأخذ الطرفان يطلقان الشعارات الجوفاء من نوعيه الحفاظ علي كيان الأمه وحمايه الأسره المصريه من التفكك والإنحلال ومحاربه الفساد الأخلاقي الذي سيؤدي حتما الي انهيار المجتمع ...ولأعلم اي مجتمع هذا الذي سوف ينهار بسبب فيلم؟ أم هو الإعتراف الصريح من هؤلاء أن مجتمعاتنا قد اصبحت هشه للغايه لكي تنهار بسبب فيلم او قصه او كتاب ينتقد ادمان التشدد والتزمت والتمسك وعدم التخلي ...وهل هذا هو الشغل الشاغل لرجالنا المقدسين الذين تركوا الأمور الجاده والمشاكل التي لاحصر لها واهمها كيفيه تجديد وتحديث الخطاب الديني وتفاعله مع معطيات العصر بما ينفع خلق الله في حياتهم اليوميه وحثهم علي العمل والإجتهاد والتقدم ، بدلا من اشغال الناس في هذا التهريج ولهوهم بتوافه الأمور...والذي يستمع الي هؤلاء وهم يتحدثون بلغه متكبره متعاليه يعتقد اننا نعيش في ازهي العصور واننا حققنا مالم يحققه احد من البشر علي وجه الكره الأرضيه وانهم حراس الأمه وحماتها من الفناء بعدما تحالف المتطرف المسيحي مع المتطرف المسلم لإنقاذ المجتمع من شرور الحريه وبلاء التغيير واشباح التقدم ... وفي المثل المصري ابلغ وصف لهذا التحالف " إتلم المتعوس علي خايب الرجاء...." ويافرحه ماتمت بعد ما صدر الحكم القضائي باستمرار عرض الفيلم ورفض الدعوي ، بعدها بعده أيام قام بعض الشباب المسيحي المتعصب او بمعني اصح المضحوك عليه بالتظاهر بالكتدرائيه المرقصيه للتنديد برجال الأمن وسب ولعن المسؤليين بسبب انتشار شائعه عن خطف زوجه احد القساوسه المسيحيين واجبارها علي الإسلام وان رجال الأمن ، طبقا للإشاعه ، قد تستر علي الخاطفيين وتساهل معهم...ياسبحان الله اليس هؤلاء هم حلفاء الأمس بعدما رفعتم قضايا الحسبه وكفرتم كل من أراد يلقي الضوء علي مشاكلكم ، ام هو غباء التطرف والتعصب الاعمي ؟ ياساده التطرف هو التطرف مهما اختلفت اشكاله او تعددت اسماؤه...
ذكرتني هذه الواقعه بمشهد كوميدي بأحد افلام اسماعيل ياسين عندما التقي الشاويش عطيه بالمجند المستجد بالأسطول البحري المدعو رجب (اسماعيل ياسين) لأول مره فقام بسؤاله ان كان قد خدم معه قبل ذلك في قوات اخري غير البحريه لأن سحنته مش غريبه عليه ؟ ، فأجاب عليه اسماعيل ياسين بالنفي الا ان له أخا يشبهه تماما قد خدم من قبل في سلاح اخر وقد يكون هو المقصود ، وبعد فتره وجيزه يكتشف الشاويش عطيه ان المجند الجديد لايشبه اخيه فقط في الشكل ولكن ايضا في تصرفاته البلهاء وتفكيره الساذج ، فيطلق الشاويش مقولته المعروفه صارخا من شده الغيظ :" يناس ياعالم ياهووو ..هو ..هو بغباوته" للدلاله علي ان غباء الأخويين هو هو لايتغير برغم أختلاف المكان والزمان والأحداث ...
محمد حلمي عبدالرحمن


No comments:
Post a Comment