2012/01/26

روايه دنيا عجب

روايه دنيا عجب

محمد حلمي عبدالرحمن

نوفمبر ٢٠٠٨

----------------------------------------

تمهيد

دنيا عجب هو أول عمل روائي اقوم بكتابته ، وهي اول تجربه لي علي الاطلاق في كتابه القصه . واود ان أؤكد في هذ التمهيد علي امرا ضروريا واسجل تنويها هاما وهو ان جميع الأحداث التي تدور حولها هذه الروايه واسماء ابطالها وشخصياتها وكذلك اسماء الأماكن والأحياء والشوارع والحارات والميادين ودور العباده والمباني الاثريه وخصوصا في الاماكن الشعبيه القديمه والحديثه هي جميعها من وحي الخيال. لاانكر ان هناك بعض المواقف والمشاهد والاحداث قد استوحيتها من سيرتي الذاتيه وقد حدث بعضها بالفعل وبعض وقائعها عايشتها بنفسي في محيط الاسره والعائله والأصدقاء والزملاء او في دراستي وعملي منذ طفولتي وحتي الان . ولكن هذه الاحداث والوقائع الحقيقه كانت تمثل فقط قاعده الانطلاق لخيالي الروائي لأنسج عليها احداثا ووقائع وشخصيات لاتتطابق مع الشخصيات الواقعيه حتي وان كان هناك تشابها بينها . تصوير المناطق الشعبيه والاثريه في الروايه هو تصوير لبعض المظاهر والخصائص لأحياء شعبيه متعدده ومختلفه من القاهره القديمه والحديثه. وقد قمت بتجميعها في احياء الروايه التي هي من محض الخيال البحت . فعلي سبيل المثال حي الاخضريه الذي قام بتشييده احد سلاطين المماليك الجراكسه المسمي سيف الدين بن الاخضر وهو نفس الحي الذي نشأ فيه الشيخ محمد عجب الشخصيه المحوريه لهذه الروايه ، فلا هذا السلطان ولا هذا الشيخ ولاهذا الحي له وجوود في الواقع . وكذلك الاسماء والاماكن التاليه

جامع الاخضريه ، ساحه ابن الاخضر ، عطفه شقشوق الطويل ، سكه الشكمه ، درب المصبحجي ، جبانه العارف ، طريق الطابيه ، شارع الثومني ، حاره الشواهد وايضا الاحياء الشعبيه الحديثه مثل حي النهاريه ، شارع السكينه ، حي السلامات ، حاره المزاعيق ، حي الجباله ، شارع المغافره ، مسجد اخوه الصلاح …إلخ . ومع هذا فبعض المعلومات التي تتعلق بوصف وشرح خصائص وطراز المباني الاثريه في القاهره العتيقه هي معلومات صحيحه وتنطبق علي مباني اثريه كثيره موجوده بالقاهره بالفعل وخصوصا مايتعلق بالعماره والفن الاسلامي بمصر ، وقد حاولت الدقه المتناهيه في نقل هذه المعلومات . وقد وجب علي التنويه في هذا الأمر كي لايختلط علي ذهن القارئ ماهو حقيقي بماهو خيالي . هناك بالطبع بعض اسماء مدن وشخصيات تاريخيه وعامه كانت موجوده في الواقع مثل ، هتلر ، الملك فاروق ، عبدالناصر ، الجامع الازهر ، مدينه فرايبورج بالمانيا ، مدينه مورتن بسويسرا ، قريه بيلاجاردا… إلخ الا انها ليس لها اي تأثيرعلي الأحداث الرئيسيه في الروايه . وذكرها هو فقط من قبيل تحديد المكان العام لوقوع الحدث وتاريخه بالتقريب .




الفصل الاول


نادر ممدوح عجب


وقف نادر عجب في حديقه منزل حماته الواقع في مدينه صغيره بالقرب من مدينه فرايبورج الالمانيه يتأمل مناظر الغابات الطبيعيه الخلابه التي تكسوا اشجارها اللون الاحمر والاصفر والاخضر . فصل الخريف هنا في جنوب المانيا هو اجمل فصول العام . الغابات والجبال تبدو وكأنها لوحه جماليه رسمها فنانا عبقريا بريشته الحساسه ويده السحريه وعيناه الثاقبه . السماء شبه صافيه والطقس صحو والهواء عليل والشمس ساطعه ودرجه الحراره معتدله. انها جنه من جنات الله علي الارض . الا ان نادر كان يعيث بداخله حزنا ويحفر في نفسه احباطا مثلما ينخر السوس في العظم . ووجهه يعكس بوضوح ما يدور في راسه من افكار تتصارع مثل البركان الذي انفجر فجأه واخذ يلقي بحممه فيحرق استمتاعه بهذه المناظر الطبيعيه وهذا الهدوء والسلام . ويتسأل نادر كيف مع هذا الهدوء والسلام والسكينه ان يسمح الانسان لنفسه بتعكير صفو حياته وحياه غيره؟ لماذا يميل الانسان دائما الي تعقيد امور حياته؟ إن الاحداث التي جرت في محيط اسرته في مصر في الثلاثه ايام الماضيه تشكل له لغزا وتطرح اسئله بلا اجابات . فبعد اعتقاده انه نجح في التقريب بين امه الحاجه راضيه وبين ابنه عمه دونيا اذا بالاحداث تنقلب رأسا علي عقب ويتحول النجاح الي فشل . دونيا غريب عجب اصغر احفاد الشيخ محمد عجب والبالغه من العمر ثمانيه عشر عاما ، هذه الفتاه الجميله الرقيقه المرحه لم يراها نادر منذ ان هاجر الي المانيا من حوالي عشر سنوات هي الان طالبه بكليه الاداب قسم علم نفس. وكانت اول مره يلتقي نادر بدونيا في مصر منذ شهرين عندما اضطر الي السفر الي مصر عشيه موت أبيه . القدر لم يمهله رؤيه ابيه الحاج ممدوح عجب قبل وفاته او حتي حضور جنازته . وكان عزاؤه انه التقي ببعض افراد من العائله لم يراهم منذ زمن بعيد . وقد كان لقاؤه بدونيا التي يكبرها بثلاثين عاما ايذانا بميلاد علاقه عائليه واسريه وانسانيه جديده . هو اكبر احفاد الشيخ عجب ودونيا اصغر الأحفاد . ومع اول لقاء بينهما شعر كل منهما ان هناك خيطا روحانيا قد ربط بينهما . عندما دخل الي بيت عمه ونظر الي دونيا التي لم يراها منذ ان كانت طفله صغيره والان هي أنسه وفتاه جميله فارعه القد لم يستطع ان يمنع نفسه ان ياخذها بين ذراعيه ويقبلها علي خذيها مثلما يفعل دائما مع اقاربه عند عودته من سفره ثم يقول لها وهو في حاله اعجاب وانبهار " ازيك يادودي ماشاء الله كبرت وبقيت عروسه ، ايه الجمال والحلاوه دي يابنت ورثتيهم من مين ؟ " فتضحك امها ام هلال وتقول " طبعا من امها " .


إلا ان نادر لم يري هذا ، فدونيا كانت تشبه الي حد كبير عمتها بهيجه محمد عجب ومن لايعرف صلات القرابه في عائله عجب سيتخيل ان دونيا هي ابنه بهيجه نظرا للشبه الكبير بينهما . يتطلع نادر الي وجه دونيا باعجاب شديد ويلمح في عينيها بريقا ولمعانا يخلب المشاعر فيقول لنفسه ، " ان الله لم يشأ ان يرزقني بذريه وقد كنت اتمني دائما ان يكون لي ابنه ، فهل لهذه الفتاه الرقيقه ان تصبح في منزله ابنتي " . ليست عينا دونيا فقط هي التي جذبته ولكن صوتها المغلف بحنان ودفئ وهدوء عجيب . ولكن لماذا يطن في اذن نادر نبره حزن تختفي خلف صوت دونيا ؟ لايهم الان ، ليس هذا وقت التحليلات النفسيه. ويلاحظ نادر ان دونيا تنظر اليه بامعان شديد وقد علا وجهها اشراقه وسعاده وكأنها وجدت شيأ كانت تبحث عنه منذ زمن وبعد طول انتظارها وجدت هذا الشيء ماثلا امامها في ابن عمها . ولكن ماهو هذا الشيء؟ هي لاتستطيع الاجابه هذا السؤال وهي لاتريد ان تبحث الأن عن اجابات . يكفيها الان النظر اليه والاستمتاع بكلامه . هي سعيده به وهو سعيد بها وهذا المهم.


ياخذ نادر نفسا عميقا ويحاول قدر استطاعته ان يهدئ من روع نفسه وان يسيطر علي الحزن الذي هم به وان يطرد الافكار السلبيه التي تسيطر علي عقله حاليا ، علي الاقل كي يستطيع التمتع بهذا اليوم الجميل وهذه الجنه الخلابه . ولكن هيهات للأفكار اللعينه ان تترك رأسه . فيحاول ان يفعل شيأ يطرد به هذه الافكار ولم يهديه فكره المشتت الا ان احضر البايب الثمين الذي اهداه اياه احد أصدقائه في عيد ميلاده الخامس والاربعين . تجهيز البايب للتدخين قد يشغله عن التفكير لعده ثواني . وبعد ان قام بحشوالبايب بالتبغ بدأ نادر يشعل البايب وياخذ انفاسا قصير ينفث معها دخان ذات رائحه خاصه . ثم بدا فعلا يستمتع برائحه خلطه التبغ المخصوصه التي يقوم صاحب احد محلات التاباك بتحضيرها خصيصا لزبائنه والتي يسميها خلطه تاباك الكازيميري . يتأمل نادر الدخان المتصاعد في الهواء ويتعمق في افكاره اكثر ويتسأل كيف بعد النجاح الذي حققه في تقريب العلاقه بين دونيا ووالدته الحاجه راضيه والسعاده الغامره التي شعر بها عند زياره دونيا لأمه يوم الاربعاء الماضي وقد كانت هذه الزياره هي الثانيه بعد رجوعه من مصر الي المانيا ، ان يتحول هذا النجاح الي فشل . لقد غمرته السعاده عندما قام بالاتصال بأمه وكانت دونيا هي التي قامت بالرد علي مكالمته التلفونيه . كاد نادر ان يرقص فرحا مثل احد اللاعبين المحترفين الذي اخذ يققز في وسط الملعب فرحا لأنه احرز هدفا واعتقد انه فاز بالمباره. وقد اخذ الجميع يهرولون ناحيته يحضنوه ويقبلوه ويربطون علي كتفه ويهنؤه ويقولون له برافو ....


ولكن فرحه الفوز لم تتم فإذا بخصم قد احرز هدفا في مرماه في الوقت الضائع وقبل انتهاء المباره بعده ثواني ويري اللاعب المحترف فوزه يتهاوي مع اعلان الحكم انتها ء المباره فيسقط اللاعب علي الارض وينخرط في البكاء غير مصدق ماحدث وفي سرعه البرق يتحول النجاح الي فشل . ومما يزيد الامر تعقيدا عند نادر ان اي لاعب يعرف من هو خصمه اما هو الان يعرف انه خسر المباره ولكن لايعرف من هو الخصم الذي خطف منه فوزه . فلم تمر عده ساعات علي زياره دونيا للحاجه راضيه وأذا بالموازين تنقلب رأسا علي عقب وتثور زوبعه وعاصفه رمليه في قوه رياح الخماسين لتهيل التراب في اعين كل من كان مشاركا في هذا الحدث . فقد اتصلت العمه قمر بأم نادر ثاني يوم وابلغتها ان غريب ابو دونيا غير سعيد وغير راضي بالمره لتكرار زياره ابنته لها لانه يخاف عليها من هذا المشوار وهي مازالت صغيره وابنه الثامنه عشر عاما . وتضيف العمه قمر بعض التعليقات من عندها لتؤمن علي كلام اخيها وتعطيه صفه شرعيه وتقول " والله يأم نادر اخويا غريب عنده حق . الاتسمعين عن حوادث خطف البنات الدائره كل يوم . ده حتي بنتي امل اللي متجوزه ومخلفه ببقي قلقانه عليها عندما تخرج بمفردها . فمابالك ببنت مازالت عندها ثمانيه عشر عاما . لا والبنت دونيا حلوه وجميله وممكن طبعا تغري اي شاب من الشباب الصايع بتوع اليومين دول يكون قاعد جانبها وهي راكبه ميكروباس ومروحه من عندك بالليل انه يتبعها ولايطاردها . ياساتر يارب الشر بره وبعيد وربنا يستر علينا وعلي بناتنا . و برضه يام نادر لازم نعذر غريب ، الرسول عليه الصلاه والسلام بيقول كلكم راعي وكلكم مسؤل عن رعيته ، والبنت طول ماهي عندك وحجتها انها رايحه كل شويه عند نينيه ام نادر ، بيحملك مسؤليه ياختي ، وانت الله يكون في عونك لسه مازلت في حاله حزن ومهمومه علي موت جوزك اخويا الحاج ممدوح ومش ناقصه مشاكل "

وهنا جن جنون ام نادر بعد ان اثارتها هذه الكلمات التي قد يكون ظاهرها الرحمه وباطنها العذاب . ولكن ام نادر الان ليست في حاله نفسيه تجعلها تفكر في البواطن او تحللها ولسوء الحظ ان نادر قام بالاتصال بها بعد مكالمه العمه قمر بساعه فكان الموضوع مازال متأججا في راسها وتقوم ام نادر بالصراخ في وجهه في التلفون وتبكي بحرقه شديده وتنتابها حاله هيستيريه وهي تقول لنادر " شوفت عمك غريب قال ايه وعمل ايه؟ يانادر يابني الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح واحسن حاجه اننا نقطع العرق ونسيح دمه انا كفايه اللي انا فيه ومش ناقصه مشاكل مع اعمامك وعماتك "



يشعل نادر عود كبريت ويحاول ان يعيد اشعال التبغ في البايب الذي انطفأ دخانه لانه سرح في افكاره وفي الوادي البعيد الماثل امامه ونسي مع سرحانه ان يشد انفاس الدخان من البايب . ومع اشتعال البايب مره اخري وعودته لنفخ بعض الدخان يعترف نادر لنفسه انه لم يستطع ان يستوعب رد فعل امه وهذه الفرمانات الصادره منها . يقطع عرق مين ويسيح دم مين ؟ ماهي المشكله بالضبط ؟ لماذا كل هذا ؟ ماذا حدث ؟ لقد كانت الامور تسير في اتجاه جميل وسعيد . فهل كلمات طائشه هنا وهناك تثير كل هذه الزوبعات ؟ أكيد هناك اسباب اخري . هل هناك تراكمات وكانت كلمات العمه قمر هي القشه التي قصمت ظهر البعير؟ ان نادر في حيره شديده من رد فعل امه الهيستيري وهذا البكاء وهذا النكد ثم لماذا تطلب مني ولو بصوره غير مباشره ان اقطع اتصالي ببنات وابناء عماتي واعمامي الذين فرحت جدا بالتقرب منهم بعد قطيعه استمرت اكثر من عشر سنوات ؟

لقد حاولت دونيا بعد علمها بما حدث ان تقوم بمبادره سلام. الا ان مبادره السلام هذه اصبحت في حد ذاتها مشكله جديده وتعقدت الامور اكثر وزاد اللغط والكلام وبدأت الامور تاخذ منحني غير مطمئن بالمره . هناك جمله قالتها ام نادر في خضم بكائها لم يستوعبها نادر ولم يفكر فيها عند سماعه لها في حينيها . قالتها الحاجه راضيه بحرقه وعفويه ولم يدرك نادر في البدايه لماذا صبت امه جام غضبها علي الانترنت ؟ " الله يخرب بيت النت وسنينه واللي اخترعوه وادخلوه مصر ، كنا من غيره مستريحيين " هذه الجمله كانت المفتاح الذي فتح له بوابه هذا اللغز وبدأت كثيرا من الامور تتضح امام عينيه .




دونيا غريب عجب


جلست دونيا في بلكون شقه اسرتها ، اسره الاستاذ غريب اصغر ابناء الشيخ محمد عجب ، قبيل العصر في احد ايام شهر اغسطس الحار تحمل في يدها كوبا يمتلئ ثلثيه بالشاي الساخن المتصاعد بخاره في الهواء . ومن شده سخونه وحراره الكوب تكاد دونيا تمسك الكوب بالكاد باطراف اصابعها الثلاثه الابهام والسبابه والوسطي فقط ثم تضعها فوق سور البلكون بسرعه بعد اخذ رشفات سريعه وقصيره ولكنها ممتعه ولذيذه . تخرج دونيا تليفونها المحمول من جيب بنطلونها وتضع سماعاته الصغيره علي اذنيها لتبدأ سماع بعض الاغاني التي حملتها من جهاز الكومبيوتر الي التليفون المحمول عن طريق الانترنت .

تركز دونيا الأنصات و تحضر اذنيها قبل ان تبدا في الاستماع للأغاني وهي تنظر الي الامام بلاهدف وكأنها تنتظر حدثا أو انها تبحث عن أغنيه معينه . بالفعل مع بدايه الاغنيه المرغوب سمعاها ابتسمت دونيا واشرق وجهها وقالت لنفسها دون ان تصدر صوتا " أه هي دي " . كانت اغنيه قديمه من اغاني فريد الاطرش التي لحنها وغناها منذ مايقرب من ستين عاما . ارسلها لها نادر ابن عمها ممدوح في احدي رسائله الالكترونيه . هي فعلا اغنيه قديمه ورتمها قديم وموسيقاها يلعبه تخت عربي بسيط جدا ولكن كلمات الاغنيه كانت معبره جدا عما يدور داخل دونيا من مشاعر وتساؤلات وهي توصف ايضا اشياء مازلت حتي اليوم والأن ماثله امام عينيها . فكلمات الاغنيه تقول :


ياريتني طير لاطير حواليك

ماترح ماتروح عيوني عليك

ماتخلي غيري يقرب ليك

لكن ياريت

عمرها مكانت

بتعمر بيت


هي تسمع وتنصت الي كلمات الاغنيه وتنظر الي السماء فتشاهد اسراب الحمام الذي يحلق في السماء في اشكال رائعه وجميله ونظام فائق ودقه متناهيه وكانها راقصات باليه محترفات ترقص علي نغمات احدي السيمفونيات الموسيقيه . تبتسم دونيا وتسأل نفسها ، ماذا لو ان هذا الحمام يعي كلمات هذه الاغنيه ؟ تحول دونيا نظرها من السماء وتخفض رأسها لتتجه بعينيها الي اسطح احد المنازل القريبه من المنزل الذي تسكن فيه في احد الاحياء الشعبيه لتري غيه (برج) الحمام التي يعتليها اخوها هلال يقف اسفلها صديقه رائد عبد الجبار . هلال يكبر اخته بسنتين ويهوي الحمام وتربيته وقد بني هذه الغيه هو وصديقه رائد منذ عام بعد مناقشات حاده مع ابيه الذي كان يخشي من المشاكل التي تسببه هوايه تربيه الحمام . إلا ان دونيا وقفت في صف اخيها وشجعته عليها وساعدته ايضا وادخرت من مصروفها واعطته لهلال كي يستطيع تنفيذ هوايته . دونيا لم تساعد اخيها فقط من اجل ارضائه وحبها له ولكنها هي نفسها كانت تحب الحمام ومعجبه اعجابا شديدا بهذه الهوايه . ولكن منه لله هذا المجمتع الذي يحرم علي البنات الاستمتاع بمثل هذه الهوايات المقصوره فقط علي الرجال . فهي كانت ايضا معجبه بالحمام وفي نفس الوقت تتعجب من طبائعه . فيكف يرضي هذا المخلوق الحر ان ينفذ أوامر صاحبه الانسان وهو الطائر في اعالي السماء ؟

لماذا يهرول اليه بمجرد سماعه صفاره او اشاره او رايه . مالذي يدعو الحمام الي هذه الطاعه ؟ وهو القادر علي الطيران والتحليق والهروب الي اي مكان يحب ؟ كيف يرضي ان يباع في سوق الامام مثل العبيد ؟ وتذكرت دونيا اغنيه قديمه اخري كان نادر قد ارسلها اليها وكأن كلماتها كانت هي الاجابه علي هذه الاسئله :


يامامه بيضه ومنين اجيبها

طارت يانينه عند صاحبها


واخذها البلبل وطار وياها

اصله يانينه يعرف لغاها


فتضحك دونيا متسأله وموجه كلامها الي الحمام الطائر في السماء : " يعني كلكم مستحملين هذا الذل ومنتظرين البلابل اللي يفهموا لغتكم كي تحرروا انفسكم ؟ ابقوا قابلوني لو هذا حصل ؟ " ثم تعيد انصاتها لأغنيه فريد الاطرش الجميله وهي تتمايل برأسها يمينا ويسارا وتردد كلماتها : " لكن ياريت عمرها ماكنت بتعمر بيت " . ويتردد تعبير " بتعمر بيت " اكثر من مره في اذنيها مثل صدي الصوت وتنظر دونيا وتستطلع البيوت والمنازل التي تشاهدها من البلكون وكأنها تراها لأول مره في حياتها وتتعجب من هذه الفوضي العارمه ، فليس هناك شيئا متناسقا مع الاخروكأنها لوحه سيرياليه مملؤه بخطوط غير متناغمه والوان يصعب حتي تصنيفها واشياء غريبه غير مفهمومه ولكنها تباع بأغلي الأثمان . فتقريبا ليس هناك منزل يعادل ارتفاعه منزل اخر ، هذا عالي وذاك واطي والاخر منخفض . منازل بالطوب الاحمر واخري بنصف محاره والبعض ملطخ باشياء عديده غير معروفه هل هي الوان ام رسومات؟ الله اعلم . كفوف من الدم تلطخ الحوائط هنا وهناك ، خطوطا وكلمات بالطباشير الابيض ، زينات من ورق مربوطه بحبال بين البلكونات . واما اسطح المنازل فهي عجيبه من عجائب الدنيا وتستحق ان تكون الثامنه . كراكيب موبيليا خشب ، بقايا قناطير قطن تنجيد ، كنب وكراسي قد اكله الدهر واخرج كل مافي امعائه من قش ، حظائر فراخ وبط وأوز ، كتاكيت تجري وتمرح هنا وهناك ، خراف تتكئ علي الارض وتسند نفسها علي احدي حوائط السطح في كسل وبلاده يحسدون عليها ، لاتتوقف عن تحريك فمها وهي تمضغ الطعام او تأكل من البرسيم المنثور امامها ، يخيل للناظر الي عينيها كانهم رجال مساطيل لايدرون مابهذه الدنيا ومايحدث حولهم . حقا ، ففي نفس السطح وامام الخراف مشهدا كوميديا دراميا لو رأه شارلي شابلن لما تردد في تصويره وتمثيله صوت وصوره .

ديك شقي ذا عرف احمر كبير نفخ ريشه وقفز وصعد علي ظهر احدي النعجات ووقف يصيح ويؤذن كأنه يخطب في شعبه من فوق منصه . حريمه من الفراخ تصرخ وتقفز في كل اتجاه وتنظر اليه من بعيد وهي تتعجب ولكنها خائفه من الاقتراب من النعجه . النعجه تلف وتدور حول نفسها وتصيح ماااااااااء ماااااء مااااااااء وتريد طرد هذا الشيطان الواقف فوق ظهرها واظافره التي تغرز في جلدها ، لكنها لاتطيله . الحيوانان يصيحان في سيمفونيه جماعيه فهي تقول في غضب وعصبيه ماااااااء مااااااااء مااااااء ، والديك يصيح علي حريمه كووووووك كوووووووك كووووووووك وكانه يريد ان يقول لهم هل رأيتموني يأبناء الابالسه ماذا استطيع ان افعل ؟ فياويل من لم يسمع ويطيع كلام الباشا الكبير اللي هو انا. تضحك دونيا وتقهقه ومن خوفها ان يسمعها احد تضع كفها الايسر علي فمها والايمن علي بطنها وتميل بنصفها العلوي علي سور البلكون فيسقط نظرها الي اسفل المنزل لتري حمارا قد ربطه صاحبه خلف عربته الكارو ، اذنيه لاتتوقف عن الحركه وجلده يرتعش من حين لاخر لطرد بعض الحشرات المتطفله التي تحوم وتتوقف علي جسده وكأن جسد الحمار هو قاعده انطلاقها ومهبطها. تدمع عينا دونيا من شده الضحك ويحمر وجهها خصوصا عندما تتذكر مقوله ابن عمها نادر الذي قال لها في احدي المرات : " المفروض ان احنا نحضر السائحين الي مناطقنا الشعبيه ونجعلهم يدفعون تذاكر دخول مثل المسرح والسينما كي نسمح لهم بمشاهده هذه المناظر العجيبه المنتشره هنا " ثم تتذكر انه حكي لها انه ذات مره اثناء عمله كمرشد سياحي في مصر وقبل هجرته الي المانيا ، عند اصطحابه احدي المجموعات السياحيه الي جامع محمد علي بالقلعه وبجوار المسجد هناك ساحه كبيره مثل التراس يطل علي مدينه القاهره وتستطيع ان تري منه تقريبا نصف المدينه وخصوصا احياءها الشعبيه . فكان تعليق احد السائحين علي مناظر البيوت والاسطح والادخنه المتصاعده هنا وهناك من جراء حرق الزباله والهواء المشبع بالتراب والعوادم ، منظر هذه المدينه يوحي وكأن طائرات عسكريه مقاتله قد قامت بقذفها وتدميرها منذ مالايزيد عن ساعه علي الاكثر ؟ ويزيد ضحك دونيا عند تذكرها لهذه المقوله ولم يقطع ضحكها الا صوت امها الجهوري الصارخ : " بت يادودي انا عماله انادي عليك وانت مابترديش ليه ؟ نحي هذه السماعات الملعونه من اذنك كي تسطيعي سماعي . الله يسامحهم اللي اخترعولنا هذا الهم اللي اسمه الموبايل .

" فترد دونيا وهي مازالت تجفف دموع الضحك " ايوه ياماما فيه ايه ؟"

" قومي اتحركي اتصلي باخوكي هلال علي المحمول بتاعه قولي له يحضر الان علشان ينزل يشتري لنا عيش من الفرن ". فتعقب دونيا :" الموبايل بتاع هلال لايعمل الان ، انا سأنادي عليه من البلكونه " فتهمهم ام هلال في غضب وعصبيه " هو انا حلاقيها من الحمام ولا من الموبايلات ولاالانترنت ؟ "


تذهب دونيا مره اخري الي البلكون ترفع ذراعيها الي اعلي وتحركهما يمينا ويسارا في اشكال متقاطعه كمن يصفق بكفيه في حفل غنائي راقص وهو رافع ذراعيه ، ثم تضم كفيها حول شفتيها وتهمهم بكلمات غير مسموعه ، فهي تنادي علي اخيها هلال ولكن لأن ارتفاع صوت المرأه في البلكونات عيب وحرام فهي لاتصيح وتعي اذا رأها اخوها سيفهم ماتريد .

هلال مشغول بطيوره وهو غاطس داخل غيه الحمام ولا يظهر منه غير رأسه ولايري اخته اللي تنادي عليه . اما رائد الواقف اسفل السلم المتدلي من الغيه فقد تسمرت قدماه في الارض وتثبتت عيناه عندما لمح دونيا بقدها الفارع الجميل الذي ظهرت كثيرا من تقاسيمه المتناسقه من داخل ذلك التي شيرت تركوازي اللون الذي ترتديه وهي رافعه ذراعيها لأعلي فتقفز من ذاكرته كلمات اغنيه عربيه قديمه هي افضل تعبير عن هذا المشهد الفتان :


قدك المياس ياعمري

ياغصين البان كاليسري

انت أحلي الناس في نظري

جل من سواك ياقمري


هو لايريد تنبيه صديقه هلال ان اخته تنادي عليه ، فهيهات ان يضيع علي نفسه هذه الفرصه الذهبيه التي ينعم فيها بنسمات الهوي القادمه من بلكون الحاج غريب. ثم انه لوقطع النظر الان لوضع نفسه في زمره الخطائيين المذنبين ، فكلمات الشيخ بسام الجمل الداعيه المعروف وامام مسجد اخوه الصلاح في درس الجمعه الماضيه عن غض النظر ، مازالت تتردد علي اسماعه وهي ان النظره الاولي لك والثانيه عليك . فهو مازال الان داخل حدود النظره الاولي ويريد الاستفاده من هذه الرخصه الي اقصي حد . ومع تكرار تمايل جسد دونيا وذراعيها مرات ومرات يكاد قلب رائد ان ينخلع من بين ضلوعه ويصعد منها علي شكل تفاحه من النور يقبع بداخلها ذلك الصبي البرئ ذا الجناحين والحامل في يده قوسا وسهما ويسمي كيوبيد الذي كان رمز الحب في الاساطير الرومانيه القديمه . يحاول كيوبيد رائد ان يوجه سهما من سهام الحب ناحيه دونيا ولكن يالا التعاسه فقد اخطأ السهم الهدف وضاع ادراج الرياح بعد ان تنبهت دونيا الي نظرات رائد فخفضت ذراعيه ووضعت كفيها في خصرها وتغيرت ملامح وجهها المرح ومالت برأسها قليلا ناحيه اليمين لترسم علي وجهها علامه استفهام كمن تريد ان توجه اليه سؤلا غير مسموع فيه استنكارا لنظراته الغير مريحه :

" نعم ياسي رائد؟ انت ايه حكايتك؟ عاملي فيها متدين وامير جماعه وانت عنيك تندب فيهما رصاصه؟ " يفهم رائد في التو واللحظه الرساله الاستنكاريه التي وجهتها اليه دونيا ليهوي قلبه من السماء علي الارض مثل الطير الذي اصابه عيارا ناريا . ويهز وجهه ذات اليمين وذات اليسار في تعجب ويتذكر مره اخري كلمات الاغنيه العربيه الاندلسيه :


عجبا لغزال قتال عجبا

يخطو بدلال فيثير الشهبا

كم بالافكار وبقلوب لعبا


وصلت رساله دونيا الي رائد في نفس الوقت الذي بدأ فيه هلال يتنبه لما يدور حوله فيطل برأسه من داخل غيه الحمام ناحيه اخته فيري مظهر اخته الغير مفهموم ثم يحول نظره ناحيه رائد الذي خفض نظره بسرعه فائقه الي الارض وهمهم بكلمات مسموعه اراد ان تصل الي مسامع هلال كمن ينفي عن نفسه شبهه عدم غض النظر وكأن الذنب ليس عليه ولكن علي دونيا ، وكأنه هو الضحيه التي تحاول التمسك بأخلاقيات دينها وتقاوم اغرآت النساء " استغفر الله العظيم ، اللهم يامقلب القلوب ثبت قلوبنا علي الايمان " . اعتلت علامات الغضب وجه هلال ولكن غضبه لم يكن من صديقه رائد لأنه كان في قراره نفسه راضيا عن اي مشاعر حب من ناحيه رائد لدونيا ويتمني ان تتوج في اقرب وقت بالارتباط بينهما . رائد هو صديقه العزيز ويدعو الله ان يكون ايضا صهره . ولكن الغضب الحقيقي كان من اخته التي امرها اكثر من مره ان لا تخرج الي البلكون سافره كاشفه عاريه الذراعين وهي لاتستمع ولاتتعظ . يبتسم هلال لرائد كمن يقول له لاعليك فالذنب ليس عندك ولكن عندنا ويطلب منه ان يستلم موقعه في برج الحمام حتي يذهب لتلبيه نداء امه وانشاء الله يتقابلان بعد نصف ساعه للذاهب لصلاه العصر سويا في مسجد اخوه الصلاح . فتنشرح اسارير رائد لان صديقه لم يعاتبه علي هذا الموقف الحرج ويقول له : " إعمل حسابك اننا نحضر سويا انشاء الله درس الشيخ بسام الجمل بعد صلاه المغرب وهو اليوم عن اختيار الزوجه الصالحه " يعقب هلال مبتسما :" انشاء الله " ثم يمضي .


تنتفض ام هلال وتنزعج وتضع يدها علي صدرها عند سماع طرقات علي باب الشقه : " ياساتر الستر يارب . دا مين اللي بيطرق علي الباب كده وسيكسره " وتذهب لفتح الباب وهي تنادي :" ايوه ياللي بتخبط " وعندما تفتح الباب تري ابنها هلال وقد انطلق الي داخل الشقه كالرمح وهو يفتعل غضبا ليس كله حقيقيا:


" دودي فين ياماما ؟ هي لسه واقفه في البلكون ؟ " فتتسأل ام هلال في استغراب

:" فيه ايه يابني ايه اللي حصل " فيرفع هلال صوته درجتين كمن يزأر كالاسد في الغابه ليحاول ان يثبت للجميع لمن له السيطره في هذا البيت :" ياماما انا نبهت علي دونيا ان لاتعتب باب البلكون الا وهي لابسه الحجاب والاسدال ، ومن المستحسن ان لا تدخله من الاصل . الا يكيفها الوقوف في البلكون سافره كاشفه ولكن كمان تتمايل وتتراقص وهي تسمع هذه الأغاني الفاسده لتثير غرائز الشباب الواقف في اسطح المنازل ؟ " وهنا ترد عليه دونيا بإنفعال :" بدلا من ان تحاسبني وتمنعني من المتنفث الوحيد الذي بقي لي بعدما حرمتم علي كل شيئ في حياتي عاتب صاحبك رائد اللي تندب في عينه رصاصه واللي كل شويه مافيش علي لسانه غير قال الله قال الرسول . اليس غض البصر من تعاليم الدين ولاانت وصاحبك عايزين تطبقوا الدين فقط علي البنات " وهنا يشعر هلال بالحرج الشديد لأنه يعلم ان أمه غير مرتاحه اطلاقا لصداقه رائد له والسبب لايكمن في التأثير الشديد لرائد علي ابنها وخصوصا فيما يتعلق بالتدين ، فهذه النقطه بالذات هي التي تجعلها تتحمل هذه الصداقه الغير مريحه ، ولكن الموضوع يكمن في ناحيه اخري وهي ان العلاقه بين ام هلال واسره عبدالجبار ملاك لم يكن بها عمار وكانت بينها وبينهم توترات كثيره عندما كانوا يسكنون في نفس البيت قبل ان ينتقلوا الي السكن في بيت اخر في نفس المنطقه الشعبيه. فقد تنفثت ام هلال الصعداء عندما انزاح هذا الهم بعد رحيلهم ولكن علاقه الصداقه الناشئه بين هلال ورائد تذكرها دائما بالست ام رائد التي كانت تسميها ام هلال بام عقل مهروش وبزوجها عبدالجبار ملاك الذي اطلقت عليه عبدالجبار ابليس مش ملاك . ولولا انها تري ان هلال ورائد يداومون علي الذهاب الي المسجد سويا لأمرته ان يقطع علاقته برائد فورا . فهي كانت تؤمن بالمثل القائل ، يخلق من ظهر الفاسد عالم . فقد سمعت اكثر من مره في التلفزيون في قناه الشفاعه الفضائيه الشيخ الجليل كمال العابد يقول ان ابو سيدنا ابراهيم عليه السلام ابوالانبياء كان كافرا وان ابن سيدنا نوح كان كافرا ، يعني ممكن يكون الولد صالح وهي لاتريد ان تاخذ العاطل بالباطل . ولكن كلام دونيا قد يسمم العلاقه بين امه وصديقه ولذا فقد تلعثم قليلا في الكلام وحاول الخروج من هذا المأزق بسرعه البرق قبل ان تعلق امه وقال لدونيا :" انا لااتكلم هنا عن رائد فأنا اعلم انه شاب علي خلق ....." تبتسم دونيا ابتسامه صفراء ماكره وتنظر الي اخيها باستخفاف كمن تريد ان تقول له ، عما تتحدث يأخي ؟ فوالله انك لساذج وغلبان . " ولكني اتحدث عن مسأله مبدأ وعن الشباب الاخر الصايع الواقف علي اسطح المنازل الاخري وليس له عمل غير معاكسه بنات الجيران " فتقطع امه حديثه وتقول :" فضها سيره بقي وانزل اشتري لينا عيش من الفرن . لو ابوكوا حضر من الشغل ولم يجد االعيش وسمع المناقشه دي ستبقي وقعتنا كلنا سوده ولن يمر اليوم بخير" ولكن هلال لايرضي ان يتنازل عن غضبه ويحاول بشتي الطرق ان ينفذ ارادته وهذه فرصته بعد ان امسك بدونيا متلبسه بالمياصه . فيرتدي عبائه الدعاه ويغير من نبره صوته الغاضب الي نبره واعظه يملؤها الترهيب :" يأمي الرسول عليه الصلاه والسلام يقول ، من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا اضعف الإيمان . وانا ليس ايماني ضعيفا كي استنكر هذه المنكر فقط بقلبي وقد تعب لساني بلا فائده ولم يبقي إلا............"

وهنا تتغير ملامح وجه دونيا من الفتاه المرحه الرقيقه الي ملامح جامده بعد ان ضمت حاجبيها وظهرت عليها علامات الصرامه واقتربت من اخيها حتي كادت تلاصقه ثم ضمت ذراعيها وجعلتهما متقاطعين فوق صدرها ونظرت الي عينا اخيها بعمق وتحدي شديدين وسألته بصوت هادئ ولكنه ثابت ومتزن لم يخلو من نبره تهديديه واضحه :" وعايز تغير المنكر بتاعي بإيدك ازاي ياسي هلال ؟" هنا ارتعدت فرائص هلال وسارت بين ضلوعه رعشه خفق لها قلبه وزاغ لها بصره وتوقفت الكلمات في حلقه وأدرك لأول مره ان اخته قد قرأته جيدا وعلمت ان هذه الغاغه مفتعله وانه يردد كلمات ملتحفه بعباءه الدين ولكنه ليس قادرا علي تنفيذ حرف واحد منها او حتي ادراك معناها الحقيقي . فمعزه دونيا في قلبه كانت قويه للغايه وبالرغم انها اخته الصغيره الا انه كان دائما يقدرها ويحبها وكأنها امه . لانها كانت تفهمه وتعرف مايدور في نفسه وراسه من مشاعر وافكار . هو يحكي لها كل شيء لأنها كانت نافذته علي عوالم كثيره في هذه الدنيا وخصوصا عالم النساء وكان دائما يأخذ رأيها ويستشيرها في شتي امور حياته سواء عمل برأيها ام لا ولكنه لم يكن يستطع ان يقدم علي شيء بدون اخبارها وهو فعلا لايريد ولايقوي علي ايذائها وهذه الغضبه المفتعله لم تكن فقط بسبب التعاليم الدينيه ولكنه ايضا من شده حبه لأخته كان يخاف عليها ويخشي ان يمسها سوء ويتمني ان يحفظها في علبه قطيفه مثل الجوهره خوفا عليها ، خصوصا بعدما كبرت الان وازدادت جمالا واغراء . دونيا كانت تعي هذا جيدا وكانت تحاول ابرام عقد اتفاق غير مكتوب مع اخيها ، هو يحكي لها كل شيء في حياته وهي تنفذ له بعض اوامره او علي الاقل توهمه انها ترضيه . فقد نفذت تعاليمه بعدم ارتداء البنطلون وارتدت الحجاب اثناء خروجها للشارع بعد مناقشات طويله لأن اخوها سمع من الشيخ بسام الجمل ان فرائض الاسلام خمس للرجال وسته للنساء والفريضه السادسه للنساء هي الحجاب وان ارتداء النساء للبنطلون معصيه لانه تشبه بالرجال حتي وان غطته حتي ركبتيها ومما لم يساعد دونيا علي المضي في موقعه الحجاب والبنطلون ان ابوها وامها كانوا متفقين مع هلال في هذه النقطه علي طول الخط . وكانت امنيه هلال العظمي ان ترتدي اخته النقاب او علي الاقل الاسدال .

ولكن دونيا تضع لأوامر اخيها خطوطا حمراء . نعم هي اخته وتعزه ولكنها ليست ملكا له وهي تحاول ان تجد طريقا وسطا وكأن احد شروط العقد الرئيسيه بينهما ان يترك لها مساحه خاليه تلعب فيها براحتها وفي المقابل ان تطيعه هي في تنفيذ بعض اوامره حتي وان لم تكن مقتنعه بها . اما لو قام هلال بالتضييق عليها اكثر من ذلك وحرمها من هامش حريتها فلن يجد في قلبها بعد ذلك مكانا له . وكانت هذه هي نقطه الضعف التي استطاعت دونيا ان نتفذ منها لتحقق بعض السيطره علي اخيها وهي الان قد وضعته اما هذه الحقيقه العاريه بسؤالها هذا وشعر هو أنه في مأزق وماعرف كيف يجيب علي سؤال اخته ولم ينقذه الا آذن العصر فتحول عنها وهو يردد في خشوع تعقيبا علي الآذان:" الله أكبر الله اعظم والعزه لله ، اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ، حي علي الصلاه حي علي الفلاح ..." واستدار وتهيأ للنزول وقال وهو لايلتفت لأحد :" انا ذاهب لصلاه العصر في المسجد " ويفتح الباب ويهرول علي السلم فتتبعه امه وتسأله بصوت عالي :" والعيش ياهلال مين الي حيشتريه " فيرد عليها :" سأوصي عليه بعد الصلاه وارسله لكم مع الواد مطرحه صبي الفران ........................"




الفصل الثاني


الشيخ محمد عجب


" السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ، السلام عليكم ورحمه الله " يختم الشيخ محمد عجب صلاه العصر ثم يتهيأ للتربع في جلسته فيفرد جبته يمينا ويسارا ويجلس بساقين متقاطعين وهو مازال متجها ناحيه القبله . يخرج من جيب قفطانه سبحه خضراء داكنه اللون وهو يتلو بعض الادعيه بصوت خاشع منخفض . المصلون خلفه منهم من انتفض بعد الصلاه مباشره ليلتقط حذائه من بين الاحذيه المرصوصه فوق الارفف المخصصه والمتواجده في اخر صف من صفوف اعمده المسجد ، ثم ينطلق كالبرق متجها الي خارج المسجد ليلقي بحذائه علي الارض خارج عتبه باب المدخل ، يلبسه بسرعه ويهرول كمن يجري للحاق بقطار يخشي ان يفوته معياده ، وكان أول المهرولين هو محروس بائع الترمس الذي يتجه مباشره الي عربه الترمس الخاصه به الواقفه امام مدخل الجامع منتظرا ان يأتي اليه الزبائن من المصلين . ومن المصلين من وقف لأداء ركعتي السنه ، ومنهم من تقدم في مجلسه الي الامام ليشغل الاماكن التي خلت خلف الشيخ عجب منتظرين اتمام ختام الصلاه . يدخل الشيخ ذراعه داخل اطار سبحته ثم يضع كفه علي خذه الايمن ويبدأ في تلاوه ايه الكرسي بصوته العذب الجميل الذي يمس عمق فؤاد كل من انصت اليه وهو يتلو أيات الذكر الحكيم فتهتز لسماعه قلوب المصلين خشوعا وخضوعا . الشيخ محمد عجب المقرئ والموظف بالاوقاف وامام الجامع الاخضر كان له صوتا مميزا ونادرا في تلاوه للقرأن الكريم تجويدا وترتيلا ، ولذا فإن اهل حي الاخضريه وغيرهم ممن يعرفه من الأحياء الاخري وحتي اهل الصفوه من العائلات المقتدره والغنيه مثل الباشوات والباكوات الذين كانوا يدعونه لقرائه القرأن في بيتوهم وقصورهم وصوانات عزائهم وايضا في جباناتهم ، كانوا يطلقون عليه الشيخ المبروك . ومنهم من علق علي صوته بأنه يكاد يتخيل صوت الملائكه عند سماعه تلاوه القرأن . يرفع الشيخ عجب صوته درجتين وينادي: " ياعلي ياعظيم جل الباقي سبحانك ، سبحان الله " ليبدأ هو والمصلون في التسبيح ثلاثه وثلاثين مره ، منهم من قام بالتسبيح علي اصابع يديه ومنهم من سبح بسبحته ، ثم يتبعها بمثلهم بالحمد ثم التكبير . " الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكره واصيلا "

يرفع الشيخ كلتا يديه بالدعاء وهو ينادي مره اخري علي المصلين " أدعوا الله وانتم موقنون بالإجابه" ،


ربنا لاتؤخذنا ان نسينا او اخطأنا ، فيردد المصلون خلفه آمين

ربنا ولاتحمل علينا اصرا كما حملته علي الذين من قبلنا

ربنا ولاتحملنا مالاطاقه لنا به

واعفو عناوأغفر لنا وارحمنا

يختم الدعاء بالصلاه والسلام علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه اجمعين ، ويمسح بكفيه علي وجهه ويسحبهما علي صدره وقلبه . يستدير الشيخ ناحيه المصلين للسلام عليهم وتحيتهم :" حرما ياشيخ عجب " ، " جمعا انشاء الله " يرددها الشيخ مرات ومرات وهو يسلم علي الحاج عبد الرحيم العطار جاره وصديقه وعلي شفيع المسكين جزار الحي وابن عم زوجته فاديه المسكين وعلي محمود شاكر حلاق ومزين حي الاخضريه . يقف الجميع للتهيأ للخروج من رواق القبله المغطي بسقف خشبي داكن اللون ومحمول بعروق ضخمه منقوشه باشكال نباتيه ومحلاه ببعض رسومات ومزركشات من ماء الذهب منها مازال باقيا منذ انشاء الجامع ومنها قد اكل عليه الدهر ويحتاج الي ترميمات . يتجه الجمع من ظل الرواق ناحيه صحن الجامع المفتوح فيظهر الشيخ عجب بقامته المتوسطه وجمسه النحيف وبشرته المائله للبياض وعينيه العسليتين . جبته الزرقاء وشاله الملفوف حوال عنقه ومتدلي علي صدره وعمامته البيضاء الملفوفه علي طربوش احمر ، يضفون علي الشيخ مهابه ووقارا . يميل شفيع الجزار ناحيه الشيخ يقول له بصوت منخفض " انا حضرت الطلب المخصوص بندوه الشكمه في هذا المساء يامولانا وسأرسله مع سالم ابني الي اهل البيت " فيعلق الشيخ عجب " بارك الله فيك يابو سالم " ثم يميل الحاج عبدالرحيم العطار عليه من ناحيته ويهمس في اذنيه : " وانا جهزت الامانه واساحضرها معي " فيعقب محمود شاكر الحلاق :" ندوه الشكمه هذا المساء ستكون مباركه انشاء الله طالما أن فيها نفس الحاج العطار ويد الشيخ المبروك" يبتسم الجميع ابتسامه عريضه دون ان يرتفع صوتهم بالضحك . يشعر الشيخ عجب بمن يربط علي كتفه من خلفه :" السلام عليكم يابو ممدوح " يستدير الشيخ للخلف بوجه غير مندهش كمن يعلم من المتحدث : " اهلا اهلا ياراجح افندي ، حمد لله علي السلامه ، انتوا وصلتوا القاهره امتي ؟ " ثم يسلم الشيخ علي ابن خالته احمد افندي راجح الموظف الحكومي الذي نقل للعمل من الفيوم الي القاهره بحراره وياخذه بالأحضان . يجيب راجح افندي :" نحن وصلنا الي القاهره بالأمس بعد العشاء ولكن الوقت لم يسعفني حتي الان ان التقي بك . وقلت اكيد اني سألحق بك علي صلاه العصر اليوم " .


الشيخ عجب قام بالبحث عن مسكن لإبن خالته ووجد له بالفعل مسكنا في شارع السور البحري علي الحدود مابين حي الاخضريه وحي المزارقه ليكون احمد راجح وعائلته الذين يقيمون في القاهره لأول مره قريبا منه . " كيف حالك وحال الاسره ياراجح افندي ، هل اعجبك السكن الجديد ؟ " يجيب احمد راجح " بارك الله فيك يابو ممدوح ، الحمد لله فكل الامور سارت علي مايرام وكل شيئ كان جاهزا ولم ناخذ وقتا طويلا في نقل العفش والمتاع " . يعقب الشيخ عجب : " انشاء الله تكون عتبته خير عليكم وروح المسكن خفيفه " فيعلق شاكر محمود الحلاق الذي لايتنازل عن تفويت اي فرصه ليلتقط قفشه ينكت بها :" أكيد سيكون المسكن روحه خفيف ، اليس ملاصقا لقرافه العارف ؟ يعني ارواح الاموات بترفرف عليه " . يبتسم الجميع وهم يحاولون جاهدين أن لا تتحول ابتسامتهم الي ضحك فهم حذرين من ارتفاع صوتهم داخل المسجد . يسلم راجح افندي علي اصدقاء الشيخ عجب الذين رحبوا بوصوله الي القاهره وتمنوا له اقامه هادئه وسعيده . " انشاء الله تشرفنا ياراجح افندي هذا المساء وتشاركنا ندوه الشكمه بعد صلاه العشاء . اليوم الخميس وغدا الجمعه اجازه يعني ليس لك حجه للتهرب ." فيهمهم الاخرون مستحسنين اقتراح عبدالرحيم العطار ويقولون " ياريت ، سنكون جميعا سعداء بحضورك " . ينظر احمد راجح بدهشه الي الشيخ عجب فهو لايدري عن اي ندوه يتحدثون ولايعرف ماهو المقصود بالشكمه . يبتسم الشيخ عجب ويقول له:" ساشرح لك الامر فيما بعد المهم انك تشرفنا وتعمل حسابك ان تأخذ وجبه العشاء معنا " . فلا يجد احمد راجح بدا من الموافقه . يستأذن الاخرون في الانصراف الي اعمالهم علي وعد باللقاء بعد صلاه العشاء في دار الشكمه ، فيأذن لهم الشيخ عجب ويخبرهم انه سيمر علي الخواجه مالك الارمني صاحب محل الاقمشه بحاره الاخضر ليعلمه بموعد الندوه ، فيعقب جميعهم :" وهو كذلك " .



الجامع الاخضر


" مارأيك ياراجح افندي أخذك في جوله بحي الاخضريه ؟" يسأل الشيخ عجب ابن خالته فيجيب الأخر : " فكره عظيمه ولكني اود ان أبدأ بجوله داخل الجامع الأخضر اولا فقد سمعت انه من اكثر مساجد القاهره العتيقه جمالا . قولي ياشيخ عجب ، هل سمي المسجد بالجامع الاخضر نظرا لوقوعه في حي الاخضريه ؟"

الشيخ : لا العكس هو الصحيح فقد اطلق اسم الاخضريه علي الحي المجاور والمحيط بالجامع الاخضر .

راجح : ولماذا سمي المسجد بهذا الإسم فقد سمعت انه بني علي انقاض سجنا كان قائما في هذه المنطقه . فهل هذا صحيحا ؟

الشيخ : نعم ، فهذه المنطقه وحتي العصر المملوكي كانت صحراء تقع علي مشارف القاهره القديمه ولم يكن بها مباني غير سجن اطلق عليه معتقل الأمراء وجبانه العارف و..

راجح : معتقل الأمراء ؟ وهل كان للأمراء سجنا مخصوصا ؟

الشيخ : هذه مفارقه ولكنها حقيقه لأن أغلب من سجنوا في هذا المعتقل كانوا من الأمراء والسلاطين الذين هزموا في معارك وفتن داخليه ومن اشهر سجناء هذا المعتقل كان السلطان المملوكي سيف الدين بن ابي الاخضر الذي تولي حكم البلاد منذ حوالي ستمائه عاما . إلا ان صديقه ورفيق كفاحه صدر الدين البنداري والذي اصبح فيما بعد عدوه اللدود كان قد انقلب عليه واقصاه عن الحكم واستولي علي العرش وسجن السلطان الاخضر في معتقل الأمراء

راجح : كما هي العاده اصدقاء ورفقاء في الكفاح ، اعداء وفرقاء عند توزيع الغنيمه .

الشيخ : واثناء حبسه الذي قارب العامين دعا السلطان سيف الدين الاخضر ونذر لإن حرره الله من سجنه واعاد اليه حكم البلاد والعرش المغتصب ليهدمن هذا المعتقل ويبني مكانه بيتا من بيوت الله ليصبح مسجدا جامعا للمسلمين من اهل القاهره . وقد تم ذلك بالفعل . فقد استطاع حلفاء السلطان سيف الدين تجميع قوي الشعب الغاضبه الكارهه للسلطان المغتصب صدر الدين البنداري وقاموا ضده بثوره اطاحت بحكمه الظالم واعادوا السلطان المنصور سيف الدين الاخضر الي الحكم . واوفي السلطان بنذره وامر بهدم المعتقل وبناء مسجدا جامعا اطلق عليه الجامع الاخضر وامر في نفس الوقت بتشييد وانشاء حيا سكنيا ملاصقا للمسجد وقام باهداء بيوته ومنازله للذين وقفوا معه في محنته وحرروه من سجنه ، كما امر بزرع شجره جميز وسط حي الأخضريه وهي الشجره الموجوده حتي الان بالميدان الرئيسي بالحي . ولذا فإن اهل الحي يسمون ساحه ابن الاخضر بميدان الجميزه .

راجح : ولماذا شجره جميز ؟

الشيخ : لأنها شجره معمره وكلما مر عليها الزمن قويت جذورها واشتد ساقها صارت ضخمه وكبيره وكان هذا رمزا لتثبيت حكم السلطان .

راجح : وماذا حدث للبنداري ؟

الشيخ : فر خارج البلاد وقتل علي يد ثلاثه من اعوانه الذين اتوا برأسه للسلطان سيف الدين اعتقادا منهم انهم سينالون مكافأه منه لمساعدته التخلص من عدوه اللدود وأنه سيصفح عنهم ويسمح لهم بالعوده الي البلاد والانضمام الي جيوشه .

راجح : وهل كافأهم السلطان سيف الدين بإهدائهم بيوتا في حي الاخضريه ؟

الشيخ : لا ، بل اعطاهم مكافأه لم يتوقعوها بتاتا ، امر بقتل ثلاثتهم وتعليق رؤسهم علي باب زويله ، احد اشهر ابواب سور القاهره القديمه ؟

راجح : ماذا ؟؟؟ ان هذا لأمرا عجيبا ...

الشيخ : ليس بالعجيب اذا علمنا ماكان يدور برأس السلطان سيف الدين . قيل انه عندما رأي رأس البندراي ماثله امامه بكي علي صديقه القديم . فبالرغم من العداوه التي نشأت بينهما بسب الخلاف علي الحكم إلا ان البندراي لم يأمر بقتل سيف الدين عند استيلائه علي الحكم وقد كان قادرا علي هذا وقام فقط بسجنه بمعتقل الأمراء . أضف الي هذا ان السلطان حكم باعدام اعوان البندراي عقابا لهم علي خيانتهم لحليفهم . ثم من ادري سيف الدين انهم لن يخونه كما خانوا البنداري . وقد امر السلطان بتعليق رؤوس الخونه علي باب زويله الذي كان مشهورا بتعليق رؤوس المحكوم عليهم بالإعدام كي يكونوا عبره لكل من تسول له نفسه خيانه السلطان .

راجح وهو يتحسس رقبته : ياحفيظ ، ربنا يكفينا الشر . لقد كان هذا السلطان حادا جدا في تنفيذ اخلاقياته ومبادئه . باب زويله ؟ ربنا يجعل كلامنا خفيف عليه . انا حبقي ابخر نفسي قبل ماأمر من تحته .

الشيخ ضاحكا : ومع هذا لم يسلم السلطان من الخيانه ، فتعليق الرؤوس علي باب زويله لم يمنع المتأمرون ان يصلوا الي داخل قصره ودس السم له فمات مسموما بعد حكم طال قرابه خمسه عشر عاما ...

راجح : أعوذ بالله ، هي الناس دي لم يكن لديها هوايه اخري غير القتل والتأمر والخيانه ؟

الشيخ مبتسما : هذه هي طبيعه كثير من البشر علي مر التاريخ وفي جميع الحضارت والثقافات . وانت لديك حق فإن التناحر والتقاتل علي الحكم بصفه شبهه دائمه ومستمره كانت احدي مميزات العصر المملوكي . ولكن للإنصاف لابد من الاعتراف ان حكم الدوله المملوكيه الذي استمر قرابه المآتين وخمسين عاما كان من اقوي فترات الحكم في مصر واكثرها نهضه في البناء والتعمير والتشييد . فأغلب المباني الأثريه الإسلاميه التي شيدت في القاهره من مساجد ومدارس واسبله وخوانق وبيمارستانات تعود الي العصر المملوكي ، ناهيك عن الازدهار التجاري الذي عم البلاد في تلك الحقبه مما ادي الي انشاء وكالات عديده . ولاننسي القوه العسكريه الضاربه التي حمت البلاد من غزوات المغول والتتار والصليبين . سلاطين المماليك هم الذين اعادوا الخلافه العباسيه بعد انهيارها علي يد المغول الذين دمروا بغداد وقتلوا الخليفه العباسي . و بعد انتصار المماليك عليهم في موقعه عين جالوت وتوليهم حكم البلاد نقلوا عاصمه الخلافه العباسيه الي القاهره . وفي عصرهم حررت عكا التي كانت اخر اماره صليبيه في الشرق . وها نحن الأن نقف في فناء الجامع الاخضر احدي التحف الاثريه والمعماريه لهذا العصر .

راجح : ولكن لماذا يذكر اسمهم في التاريخ بكل ماهو دموي وفاسد ؟ وانهم كانوا مصاصي دماء مصر والشعب المصري ؟

الشيخ : لابد لنا هنا من التدقيق في حكمنا علي المماليك وان نفرق بين عصر الدوله المملوكيه التي حكم فيها المماليك كسلاطين وملوك وبين شراذم المماليك التي بقيت في البلاد بعد الحكم العثماني وبعد انهيار دولتهم . فقد ابقي الخليفه العثماني عمدا عليهم كي يكونوا عينا له علي الوالي الذي يعين من قبله واطلق يدهم في البلاد ليصبحوا كالقبضه الحديده علي رقاب الناس وعليه فلايستطيع الشعب القيام بثوره ضده الخليفه. وهذا مادعي الوالي محمد علي الكبير من التخلص منهم في مذبحه القلعه الشهيره عندما تولي حكم مصر في بدايه القرن التاسع عشر .

راجح : نعود مره اخري للجامع . هل شهره هذا الجامع تعود الي الاحداث التي صاحبت انشأئه ؟

الشيخ : من المؤكد ولكنه ايضا يعد من اكثر مساجد القاهره احتفظا برونقه القديم ومازال قائما علي حاله منذ انشائه ولم تجري له اي توسيعات او تغير في معالمه وتخطيطه الاصلي اللهم بعض الترميمات التي تمت في عصور مختلفه . وهو يضم ايضا كثيرا من عناصر العماره والفن الاسلامي الرائعه في الجمال والمتناهيه في الدقه . دعني اطلعك علي بعض من اشهر معالم هذا المسجد .

راجح : تقضل يامولانا فإنك حقا قد اثرت فضولي بهذه الحكايات الطريفه والمعلومات الشيقه .

الشيخ : دعني اولا اشرح لك في عجاله العناصر الرئيسيه لمساجد القاهره العتيقه في العصر المملوكي

راجح : ياريت ، منكم نستفيد

الشيخ : الجامع في ذلك العصر كان يتكون من واجهه يتوسطها المدخل الرئيسي يعلوه مايسمي بالعقد وهو ذلك القوس المدبب او احيانا يشبه نصف الطاقيه وكان يزين ببعض الاشكال الهندسيه الرائعه . احيانا تشبه الشمس المشرقه واحيانا تكون مزينه بالخط العربي أواشكال هندسيه اخري تسمي المقرنصات . بجوار المدخل كانت توجد دائما مصطبتين من الحجر اطلق عليهما المكسلتين وهي جمع مكسله و....



راجح مندهشا : مكسله ؟ يعني من الكسل ؟ (انظر ملف الصور والمصطلحات )

الشيخ مبتسما : حقا هذا فعلا اصل تسميتها . الناس زمان ياراجح افندي لم يكن لديها وسائل مواصلات حديثه مثل اليوم وكانت تقضي اغلب مشاوريها مشيا علي الاقدام ومنهم من كان يأتي من اماكن بعيده لأداء الصلاه في المسجد وقبل الدخول الي المسجد كانوا يأخذون قسطا من الراحه ويجلسون علي هذه المصاطب وهم يخلعون نعالهم .

راجح : ياسلام ، يعني المهندس المعماري كان يفكر في كل كبيره وصغيره .

الشيخ : طبعا لأن المسجد الجامع كان له اهميه كبيره عند الناس . هو لم يكن فقط بيت من بيوت الله تؤدي فيه فرائضه ولكن كان غالبا ملحقا به مدرسه أو خانقاه او سبيل او ماريستان ومكتبات واضرحه واحيانا كل هذه المنشأت جميعا . اضافه الي هذا فان الحركه التجاريه والاسواق خصوصا بعد صلاه الجمعه و في الاعياد والمناسبات الدينيه تزدهر وتنتعش حول الجامع وحتي يومنا هذا. وفي بعض العصور كانت الساحات الموجوده امام ابواب ومداخل الجامع تؤجر يوم الجمعه للبائعين والتجار . الوالي او الحاكم كان يحصل منهم هذه الرسوم للإنفاق علي رعايه المسجد والحفاظ عليه او ترميمه . كل هذا كان له تأثير علي شكل وطراز الجامع وملحقاته من ابنيه ومنشأت . فلم يكن الفن والشكل الجمالي فقط هما العامل الرئيسي في البناء ولكن المهندس المعماري كان يضع نصب عينيه المنفعه والتيسير علي جموع المسلمين التي تتردد دائما علي الجامع . (انظر ملف المصطلحات والصور)

راجح : ياسبحان الله علم الانسان مالم يعلم . وماهي العناصر الاخري للمسجد الجامع ؟

الشيخ : طبعا المئذنه ثم صحن الجامع وهو عباره عن فناء مفتوح غير مسقف كان يتوسطه فسقيه ومحاط من جوانبه الاربعه بما نسميه بالأروقه واكبرهم رواق القبله . والمنطقه الموجوده حول القبله نسميها المحراب . بجواره يوجد المنبر المزينه جوانبه بحشوات من الخشب المطعمه بالعاج علي شكل دوائر نسميها الاطباق النجميه . فالطبق الدائري يمثل السماء والحشوات الصغيره تمثل النجوم . وكما تري فإن في حفر الاشكال النباتيه علي الخشب المطعم بالعاج يحتاج الي دقه متناهيه ومهاره عاليه. (انظر ملف الصور والمصطلحات)

راجح مبهورا : انه حقا لشيئ مدهش . من المؤكد ان هؤلاء الصناع المهره كان لديهم صبرا عجيبا واحساسا فنيا عاليا

الشيخ : امام المنبر في نهايه الرواق توجد دكه المبلغ التي كانت في ذلك العصر رخاميه ثم بدلت في عصور متأخر بكرسي المبلغ . واما الباب الذي يفصل رواق القبله عن الصحن فهو من اروع ماابدع الفنان المسلم في ذلك العصر . هو باب ضخم مصنوع من الخشب ومغطي بطبقه نحاسيه سميكه . يتوسط الباب طبقا نجميا مثل المحفور علي جوانب المنبر ولكنه هنا من النحاس المطعم بماء الذهب .واما الدائره الاخري التي تراها اعلي الباب فهو مانطلق عليه رنك السلطان وفي بعض الاحيان خرطوش الملك اي شعاره وهو عباره عن حلقه كبيره يتوسطها اسم الملك ولقبه ومكتوب بخط النسخ العربي الجميل الذي انتشر في العصر المملوكي والنص الموجود به كالأتي : الملك المنصور سيف الدين بن ابي الاخضر سلطان المسلمين اعز الله نصره . وهذا الرنك ستجده منتشرا في جوانب كثيره من المسجد وعلي حوائطه وحتي علي مصابيح الإضاءه التي نسميها مشكاوات .

راجح : هل هناك عله في ان اغلب الملوك كانوا يكتبون اسمائهم في حلقات ودوائر ولايتخذون اشكال اخري مثل المربعات او المسدسات ؟

الشيخ : الاحتمال الاكبر ان شكل الدائره يرمز للخلود وليس بها نقطه بدايه او نهايه وكل ملك او سلطان كان يبغي في تخليد اسمه .

راجح : وماذا عن هذه المصابيح الجميله الرائعه التي تسمي مشكاوات ؟

الشيخ : هي من اجمل ماصنع الفنان المسلم من الزجاج في هذا العصر وكما تري فهي مربوطه بسلاسل حديديه تتدلي من أسقف الاروقه ولها شكلا مخروطيا ومكتوب عليها غالبا رنك الملك والآيه الكريمه ، مثل نوره كمشكاه في مصباح (انظر ملف الصور والمصطلحات )

راجح : يالله ، انه حقا لشيئ بديع . بارك الله فيك يابوممدوح علي هذه المعلومات القيمه . تعرف انك فتحت عيني علي اشياء جميله جدا لم اكن الاحظها من قبل . ولكن اخبرني ماكل هذه الثقافه وهذا الإطلاع ؟ انت مقرئ ولا موظف ولامنشد ولاإمام ولامدرس تاريخ ولا اخصائي اثار ؟ دا انت دائره معارف متنقله ياراجل ؟

الشيخ : اخجلتم تواضعنا يابن الخاله ؟ هذا كله من فضل الله وعلمه . وانا فعلا أهوي التاريخ والأثار والقراءه والاطلاع والبحث فيهما . بس انت نسيت هوايتين اخرتين ، طباخ ماهر ومن هواه العزف علي العود ..

راجح : كمان ؟ يعني مش حارمنا من حاجه ....

الشيخ ضاحكا : تعالي معي الأن نبدأ جولتنا داخل حي الاخضريه قبل ان يحل المغرب ...